هاتف من الماضي … حاتم جيرة الله يكتب لأوراق عربية
يبدو أن الكثير من الوقت قد مر وأنا انظر إلى شاشة الهاتف، لا أصدق بعد كل هذا الغياب يظهر طيف من الماضى، من المستحيل أن يعود.
الذهول هو ما سيطر علىَّ، ارتجافة سرت في جسدى وسرت انتفاضة داخلى كمحيط انفجارقنبلة واسعة النطاق، تبعثرت أعماقى، حتى ذاكرتى تعرضت لارتجاج مفاجئ، هاهو الماضى بكل آلامه و ذكرياته الموجعة يطل بوجهه القبيح!.
هذا الرقم..
وكل هذا الوقت..
إنها هى ؟ّ!..
ماذا تريد؟!..
أقنعت نفسى أنه اتصال “بالخطأ”، أنا واثق من هذا، لكن رنين الهاتف تواصل المرة تلو الأخرى، وكلما دوى صوت الرنين اشتعل قلبى حائرًا ودارت في أعماق عقلى ذكريات مؤلمة لا تحمل ابتسامة واحدة.
ذكريات أسعدنى بحق أن نسيتها بعد أن جاهدت من أجل النسيان.
لم تقدر حبى و لا مشاعرى و لا كل العهود المختبئة في قلبي وكأنها طلسمه الذى لا يُحل ، بإرادتها اختارت ساعة الرحيل.. وابتعدت.
كان حبها جارفاً في أعماقه، يحتل كيانه، يرفض مفارقة روحه بسهولة، كان يقرأ رسائلها القديمة و تنهمر دموع قلبه بدموع من دم بعد أن نجح في إخفاء دموع عينيه، كانت كلماتها تحاصره كأنه يسمعها في نفس اللحظة، شعر أنه أحمق حين أحبها، شعر بالندم حين شعر بغدرها قادمًا لكنه تظاهر بعدم رؤيته حتى لا يخسرها، توسم فيها الخير لأبعد مدى، عاش لآخر أمل أن إحساسه كاذب، ابتسم ساخرًا وهو يتذكر ذات مرة بعد أن تعاظم داخله إحساس بالقلق.
سألها : هل تحبيننى ؟!
فأجابت: لم أتوقف عن حبك بعد حتى تسألنى مثل هذا السؤال.
أعاد عليها السؤال كأنه يبحث عن إجابة تبدد مخاوفه قائلًا : هل تحبيننى .
دون أن تنظر إليه قالت : ستجيب لك الأيام عن هذا السؤال.
و ها قد أتى رد الأيام!.
لم يكن بحاجة أن يقرأ وصفات النسيان لأحلام مستغانمى وهى التي حظرت بيعها للرجال تيقنًا بأن النساء أصدق في حبهم من الرجال على الرغم من صدقه لأبعد مدى في مشاعره، يعلم أن الرجال لا يحبون الحديث عن الحب والمشاعر ويبحثون عنها خفية في مكالمات مختلسة ومحادثات على مواقع التواصل باعتبار أن لا أحد يعرف ما يفعلونه بينهم و بين أنفسهم لكن كل هذا لم يكن مبررًا لأن يعيش على ذكرى وهم وليس حب، الحب الذي لا يسعد قلب صاحبه لا يستحق أن يحيا بداخله.
وبعد أن ظلت ابتسامتها الساخرة شرخًا في تاج كرامته، أتت دوامات النسيان لتسحب كل ما لها في داخله و تلفظه بعيدًا.
نَسيها عندما أراد النسيان حقًا، وبعد أن قرر أن يهرب منها لا إليها، ومرت الأيام ، نجح أن ينساها، تعافى من حبها، والتئمت جروحه مادام نجح أن يعزل ذكرياته في نقطة صماء داخل عقله، مادام لم يجد من ينبش في قلبه الذي أحبها، تعامل مع الحياة بواقعية، عرف قاعدة من الحياة وتعامل معها “لا أحد يموت بدون من يحب”.
بعقلانية أدرك أن من لم يهتم بأمره ولم يتوجع لفراقه مثلما توجع لا يستحق التفكير فيه، بحكمة أدركها من موقفه الحالى أنها هى من اختارت أن يُنزلها من قمة عرش قلبه الذي لم يملكه سواها لتجلس وسط عامة الناس، هىَّ من اختارت الخروج من جنة قلبه ،بأي وجه تعود؟!.
بأي وجه تعود؟!.
ربما هانت المشاعر أو أن العبث بالقلوب أصبح سهلًا إلى هذا الدرجة.
في القصة لم يرد البطل، رفض الرد وتوالت الاتصالت وطال الصمت و لم تجد الحبيبة السابقة مجيب لاتصالاتها، كان الفضول بداخله يلح عليه يسمع فقط ، أن يعرف ماذا تريد بعد طول الغياب؟.
يريد أن يعرف فقط ماذا حدث لها ؟، أن يرد النظرة الساخرة بنظرة شامتة، يطمئن أن قلبها قد ذاق مر العذاب مثلما سقته نفس الكأس من قبل .
كان يحترق شوقا ليعلم ماذا أجبرها أن تعود؟! لماذا عادت بعد الرحيل دون استئذان؟!.
لكن كرامته أبت أن يسمع أعذارا واهية، لا يريد لقائها فيرى دموعًا كالتماسيح، أو تحدثه بكلمات لا تجد إلي روحه وقلبه سبيلًا.
لقد انتهت القصة، هى من مزقت ورقتها في روايته، هىَّ من أرادت الخروج من الرحلة، هبطت من الطائرة بكامل إرادتها بلا أي اضطرار، هىَّ اختارت الرحيل دون مبرر، ليس الأمر بيدها، ليس من حقها الرحيل والعودة وقتما شاءت أوعندما تحب، ليس من حق كرامته عليه أن يظل متواجدًا على لائحة الانتظار، ليست استثناء يستحق أن يكسر القاعدة لأجله، لو كان الأمر بيده لأرسل لها رسالة واحدة، رسالة من كلمات الشاعر الكبير محمود درويش..
عندما تريدون الرحيل
إرحلوا
لكنّ لا تعودوا أبدًا
كونوا للرحيل أوفياء
لعلَّنا نكونُ أيضًا لِنسيانِكم مخلصين .
مقالات أخري لنفس الكاتب / خاصة لأوراق عربية



