رُكن المقالاتمقالات اجتماعيةمنتدي أوراق عربية

من وحي السينما …. لحظة ضعف / خاص لاوراق عربية

حاتم جيرة الله يكتب لأوراق عربية ...لحظة ضعف

الموقف يشتعل داخل قسم الشرطة في تلك الليلة..

يصل إلى أقصى درجات الغموض والتشابك..

اللغز يزداد تعقيدًا..

(زكى) عسكرى الدورية المنتقل حديثًا _بعد أن ذاق الأمرين_ ل(شرطة النجدة ) ألقى القبض بمساعدة شاويش ومتطوع على أخطر عصابة للسرقة بقيادة زعيمهم (زينهم) الذى اعترف بقيامه بأربعة عمليات للسرقة باستثناء عملية أخيرة أنكر تمامًا علاقته بها واتهم فيها (رشدى) مدرب الألعاب والذى نجح فى خطبة (جمالات) حبيبة (زكى) سابقًا وهو ما ملأ قلب الأخير بالبغض ل(رشدى).

و يبدو أن سوء الحظ الذى لازم (زكى) طويلًا سيرحل، شرط أن يكتم هذا الأنين الواضح المنبعث من داخله، لنقل صوت الضمير إن شئنا الدقة ،الأمور كلها  تسير نحو الحلول المُثلى لكل أزمات حياته، بعد أن عانى طويلًا كعسكرى دورية، ثم انضم إلى المباحث في تجربة فاشلة أعقبت انتقاله إلى المطافئ في تجربة أكثر فشلًا حتى استقر به الأمر في (شرطة النجدة).

ظن أن هذا سيسهل تتويجه للزواج من حبيبته (جمالات)، لكن حبها لحياة هادئة مستقرة كغالبية بنات سنها جعلها تفضل جارهم (رشدى) المدرب وتُخطب له، لتشتعل النار في قلبه و يتألم كثيرًا في صمت، ظن أن كل الطيبين لا يجدوا حظًا في تلك الحياة .

ولكن يبدو أن الحياة ستستتب شرط أن يخرج من ثوب الطيب ويخرس ضميره، سيقبض المكافأة الكبيرة المعلن عنها للقبض على العصابة وسيرتقى في عمله بالطبع و يمكنه الزواج من حبيبته التي حتما ستعود اليه.

لكنه الوحيد الذى يعلم أن غريمه برئ، و لا يوجد أي علاقة بينه و بين العصابة، لقد وجد المسروقات في خزينة (زينهم) عندما اقتحم وكر عصابته، جمعها وأخفاها في جيبه ليحرم غريمه من دليل برائته و يزج به في السجن.

لكن لماذا تصرخ اعماقه مستنكرة ما يفعل ؟!

هو بشر يخطئ ويصيب، وليس بامكانه التخلى عن تلك الفرصة الذهبية، حتى وضميره يواصل الصراخ بقوة، حتى وهو يرى نفسه فشل في طريقه الذى تمناه، ويبدو أنه سيصبح أكثر فشلًا وهو يحارب ضميره اليقظ .

تحول الصراخ إلى فوضى بدأت تأكل قلبه الطيب الذى لم يضمر سوءًا لمخلوق، لكنه بشر، ولا يستطيع أن يساعد (رشدى) بعد أن حرمه من حبيبته، وسط هذا الصراع تآمرعليه ضميره، يريد أن يعيده لصوابه، لنقاء قلبه، كل الظروف إتحدت لتجبره أن يستمر كما كان.

دار ببصره في المكان لتصطدم عينيه بأكثر من لافتة، لم يستطع ضميره أن يحتمل أكثر عندما وقع بصره علي تلك اللافتة، كان عليها آية قرآنية، لكنها أسقطت آخر حصون دفاع ضميره، سقطت قناعه الجديد

(بسم الله الرحمن الحيم)

( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ   )

في سرعة أخرج كيس المسروقات من جيبه واعترف، اعترف ببراءة غريمه (رشدي)، اثبت دليل الإدانة الأخير للعصابة، يعلم في قرارة نفسه أن مصير ما قام به سيعرضه لعقاب قاسي، يقطع آخر خيط يمكن أن يقربه ل(جمالات) مرة أخرى.

يبدو أن الأفضل أن يخسر كل ما يريد من أجل أن يظل كما هو إنسان.

كان هذا مشهدا من فيلم (اسماعيل يس في البوليس) للراحل  (اسماعيل يس) _الذي قام بدور الشاويش زكي_و (رياض القصبجي) و (رشدي اباظة) و (زهرة العلا) و (زينات صدقي)، حقيقة يعجبني أن الفيلم كان كوميديا بدون إسفاف ذا مضمون و رسالة، أعجبني كثيرًا هذا المشهد الذي شهد صراع داخلي في أعماق رجل الأمن الذي في لحظة ما ضحي بكل المكاسب في سبيل إرضاء ضميره، وتمكين العدالة، تخيل صمته عدة دقائق كان سيمنحه البطولة والمكافأة والمكانة والفتاة التي أحبها وتمناها زوجة لكنه ضحي بكل هذا إرضاءًا لضميره، بَدى الأسي علي ملامحه وهو يصافح (رشدى).

ربما كان الأسي يملأ قلبه وقتها لكن اعتقد رغم كل ما خسره قد بات ليلته سعيدًا، قريرالعين، مرتاح الضمير، ربما كان انتصارًا وقتيا ليخسر بعدها كل شئ.

حتى لو مات ضميره فى لحظة ضعف واستمر وانتصرعلى غريمه وزج به في السجن وفاز بحبيبته وأصبح ذا مكانة كبيرة في عمله،لا يضمن أن يعيش سعيدًا مع حبيبته لو تزوجها، ليس على يقين أنه سيتحمل أم زوجته ولسانها السليط، لا يعلم  مصيره الحقيقى بعد أن ينتقم الله لخصمه البرئ، ماذا بيدنا أن نفعل أمام ثأر الله للمظلوم ؟!، هاهو يعود أدراجه إلى نقطة البداية، عاد إلى الدورية مرة أخرى بخفي حنين.

عاد لنفس وضعه السابق، ولم يستفد من بطولته وخسر كل شئ، خسر وإن كانت عوضته الأقدار بعدها بمن أحبته صدقًا، أحبت شكله و داخله وشهامته.

لحظة ضعف واحدة كفيلة بأن تدفع ثمنها طويلًا،  تفسد مذاق أي مكسب تتمناه، لحظة ضعف تجعلك تعيسًا طوال عمرك، تقتل كل ما بداخلك بالبطىء، بأبطىء ما يكون، ماذا يساوى الانتصار حين نفسد حياتنا من أجل أي مقابل؟!، كيف يكون طعم الحياة إذا كتب علينا أن نحيا موتى أحياء؟!.

كانت لحظة قوة إن اخترنا الاسم الأقرب للصواب ..

لحظة القوة من صنع إنسان لا يقامر في الحياة بمبادئه وأخلاقه من أجل أي انتصار.. لحظة القوة مكسب وليست خسارة، مكسب يمنعك أن تخسر القادم من حياتك وأنت تسدد ثمن لحظة ضعف، أي لحظة ضعف

مقالات أخري لنفس الكاتب / خاصة لأوراق عربية

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق