إسلامــنـا

الشريعة الإسلامية.. والفهم قبل التطبيق.. الجزء الأول

كتبه و أعده للنشر : جابر القصاص

 

بعد أن كثر الكلام حول تطبيق الشريعة الإسلامية خلال الأعوام الماضية.. التي سميت بالربيع العربي.. وما أثير حول هذا المعنى من اللغط، بالتأمل نجد أن السبب الرئيسي لهذا اللغط هو الجهل بمفهوم الشريعة، فالبعض يختزلها في العبادات فقط، أو على الأصح في الأركان الخمسة للإسلام.. والبعض الآخر يختزلها في الحدود والجنايات من رجم وقطع وجلد.. والبعض يختزلها في أحكام الأسرة وبعض المعاملات المادية..
لذا رأينا من واجبنا أن نعرض لمفهوم الشريعة أولاً.. لأن فهم المعنى يجب ان يكون سابقاً للتطبيق، وسنبدأ بالمعنى اللغو]ي ثم الشرعي..
قال الجوهري في (الصحاح 3/ 1235): (الشَريعَةُ: مَشْرَعَةُ الماء، وهو مورد الشاربة. والشَريعَة: ما شَرَعَ الله لعباده من الدين، وقد شَرَعَ لهم يَشْرَعُ شَرْعاً، أي سن، والشارع: الطريق الأعظم. وشرع المنزل، إذا كان بابه على طريقٍ نافذ) قال: (وشَرَعْتُ في هذا الأمر شُروعاً، أي خضت، وشرعت الدواب في الماء تَشْرَعُ شَرْعاً وشُروعاً، إذا دخلَتْ، وهي إبل شُروعٌ وشُرَّعٌ) .
وأضاف ابن منظور [لسان العرب (8/ 175)] إلى ذلك: (والشريعة والشراع والمشرعة: المواضع التي ينحدر إلى الماء منها، قال الليث: وبها سمي ما شرع الله للعباد شريعة من الصوم والصلاة والحج والنكاح وغيره، والشرعة والشريعة في كلام العرب: مشرعة الماء وهي مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون، وربما شرعوها دوابهم حتى تشرعها وتشرب منها، والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عداً لا انقطاع له، ويكون ظاهراً معيناً لا يسقى بالرشاء، وإذا كان من السماء والأمطار فهو الكرع، وقد أكرعوه إبلهم فكرعت فيه وسقوها بالكرع، وهو مذكور في موضعه. وشرع إبله وشرعها: أوردها شريعة الماء فشربت ولم يستق لها. وفي المثل: أهون السقي التشريع، وذلك لأن مورد الإبل إذا ورد بها الشريعة لم يتعب في إسقاء الماء لها كما يتعب إذا كان الماء بعيداً).
ثم قال: (والشريعة موضع على شاطئ البحر تشرع فيه الدواب، والشريعة والشرعة: ما سن الله من الدين وأمر به، كالصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أعمال البر، مشتق من شاطئ البحر؛ عن كراع؛ ومنه قوله تعالى:{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ}(الجاثية: 18)، وقوله تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (المائدة: 48)؛ قيل في تفسيره: الشرعة: الدين، والمنهاج: الطريق، وقيل: الشرعة والمنهاج جميعاً الطريق، والطريق هاهنا الدين، ولكن اللفظ إذا اختلف أتى به بألفاظ يؤكد بها القصة والأمر كما قال عنترة:
أقوى وأقفر بعد أم الهيثم ………………………..
فمعنى أقوى وأقفر واحد على الخلوة إلا أن اللفظين أوكد في الخلوة، وقال محمد بن يزيد: شرعة معناها: ابتداء الطريق، والمنهاج: الطريق المستقيم، وقال ابن عباس: شرعة ومنهاجاً: سبيلاً وسنة، وقال قتادة: شرعة ومنهاجاً: الدين واحد والشريعة مختلفة، وقال الفراء في قوله تعالى:{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ}: على دين وملة ومنهاج، وكل ذلك يقال، وقال القتيبي: على شريعة: على مثال ومذهب، ومنه يقال: شرع فلان في كذا وكذا إذا أخذ فيه؛ ومنه مشارع الماء وهي الفرض التي تشرع فيها الواردة).
ثم قال: (وشرع الدين يشرعه شرعاً: سنه، وفي التنزيل:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا}(الشورى: 13)، قال ابن الأعرابي: شرع أي أظهر، وقال في قوله:{شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}(الشورى: 21)، قال: أظهروا لهم، والشارع الرباني: وهو العالم العامل المعلم. وشرع فلان إذا أظهر الحق وقمع الباطل) .
قلت: فملخص كلام أهل اللغة: أن الشريعة في الأصل مورد الشاربة من النهر، وكذلك شريعة الله تعالى التي شرعها لعباده مورد حاجاتهم، الذي تنتظم به مصالح دنياهم وأخراهم.
وهي شريعة: لما تهبه العبد من طهارة الروح والبدن، كما قال الراغب الأصفهاني [المفردات (1/ 450)] :”سميت الشريعة شريعة تشبيهاً بشريعة الماء، من حيث إن من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة روي وتطهر” .

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق