الفيسبوك ليس هو ” الله ” … عبد الرحمن عبد النبي- لأوراق عربية

التحليل..بل أبسط أنواع التحليل والذي من خلاله قد نصل إلى جزء من الحقيقة، والذي من شأنها أن تعرفنا مدى قربنا أو بعدنا عنها..وحتى لا أقع فيما يسمى ‘بالذاتية’ أو ‘المعلوماتية’ في طريقة تحليلي لما أريد التوصل إليه، لنأتي من الواقع بنموذج، نجعله ميزاناً نزن به ما يحدث حولنا، فهذا القاضي عندما تُعرض عليه أي قضية يعمل على فتح التحقيق فيها، ومن هنا يبدأ ما يسمى بالتحليل لكل شيء تقع على الخبير والمختص عينه أو تسمعه أذنه، وهذا بالطبع تبع لما درسه من أسس وقواعد داخل مهنته
ففي بادئ الأمر يتم تجميع كل ما يمكن جمعه من عناصر -ولنفترض أن الجريمة هي مقتل اثنين من البشر والموت أعتقد بأنه أقرب ما يكون لواقعنا، والذي أصبح مليئاً بالموتى هنا وهناك- تحوط الجثتين، وجمع العناصر بدقة هي أول خطوة في طريق التحليل -فهذا مسدس وذلك زجاج مكسور أسفل تلك النافذة وهناك كوب من الماء ممتلئ عن آخره وأرضية الغرفة من الخشب..إلخ من وصف دقيق لكل شيء يراه المختص في موقع الجريمة، ومن ثم يتم ربط كل عنصر بما يشابهه من عناصر أخرى تقع في موقع الجريمة
مثل رجل امرأة والإثنان أُثبتَ بأنه تربطهما علاقة الزواج..وغيره من متشابهات وعلاقات متداخله ومترابطه، ومن هنا يتم تقليص عدد العناصر المنتشر في كل أنحاء الغرفة
ومن ثم نحاول أن نجد الدوافع التي أدت إلى ذلك، ومحاولة الوصول لبؤرة مركزية لتلك الجريمة والتي من خلالها نصل إلى عنوان شامل جامع لكل ما تحويه الجريمة من عناصر متناثرة هنا وهناك، وبعد سماع الشهود والمرافعات، يحاول القاضي إلى بلورة كل هذا في صورة كاملة شافية..
وهذا ما يسمى بالشرح الأكثر تبسيطاً لكيفية تحليل ما نراه بأعيننا، ولكن أتدرون في أي مرحلة نحن واقفون من ذلك التحليل!؟، هي مرحلة العناصر -أول خطوة في طريق التحليل-، وما زاد الطين بِله أننا نزيد من الأمر تعقيداً على أنفسنا وهذا من خلال عقد مقارانات ما بين أماكن شتى في مختلف البلدان، ونساويها ببعضها، فهؤلاء قتلى في فلسطين على يد الصهاينه، فهؤلاء قتلى في العراق على يد تنظيم داعش، وهؤلاء قتلى في ليبيا، وفي سوريا والسودان وهؤلاء قتلى للمتطاهرين في مصر على يد النظام المصري..إلخ
من قتل في كل أنحاء العالم العربي على وجه الخصوص!..ولكن للحظة فهناك من يريد مقاطعتي قائلاً أو ليس كل هذا يسمى بالفعل قتلاً، أليست تلك أرواحٌ قد زُهقت!، فأقول له بلى، فالسارق قد يُقتل والمُعتدي قد يُقتل والمحتل لأرضي قد يُقتل والإرهابي كذلك، وكل هؤلاء بالفعل يتبعون لفئة الإنسان، وأيضاً يقال عن هؤلاء بأن أرواحهم قد زُهقت وأهاليهم قد شُردت.
ولكن ما هي تلك المقارانات التي تساوي ما بين تنظيم إراهابي ومحتل وتظيم دولة!؟،إنما هي مقارانات تسمى بالمقارانات المبكية المضحكة!، فمهما كانت المسميات واحده -مثل القتل والسجن وحتى الظلم- فدوافعه تختلف اختلافاً جذرياً، فالإرهابي يود أن يُسقط دولة مهما كلفه ذلك ليقيم دولته والقائمة في زماننا على كلمة ‘الدولة الإسلامية’ والذين هم في الأساس لا يقيمونها بمثل هذا العدوان والإرهاب، والمُحتل يريد أن يقيم دولته فوق أنقاض دولة أخرى وكأنها شيء من الماضي والحاضر والمستقبل لهم ومن هنا يبيح لنفسه كل شيء، وهذا كالحاصل في فلسطين، وتنظيم الدولة ومؤسساته يحاولون جاهدين أن يحافظوا على تماسك الدولة، بما يروه هم من تصورات وتحليلات, وان كانوا فيما يروه ظالمين ظلماً بيناً.
فهناك فارق جوهري ما بين صفات الكيان وماهية هذا الكيان..فيعود الذي قاطعني في بادئ الأمر ليقاطعني مرةً أخرى ساخراً ليقول: أو كل حدث يحصل لنا يتوجب عليَّ أن أتبع كل تلك الإرشادات لأفهم ما يدور حولي!؟، فأقول له بكل بساطة نعم!، وهذا لتعلم أنه ليس من اختصاصك أصلاً أن تقرر بأن هذا ظالم وذاك مظلوم، وعلى أساسه تقرر أن نعادي هؤلاء ونناصر هؤلاء، ولا أقصد في هذا أن نذهب إلى ما يسمى بالأنانية والسلبية والإنغلاق على أنفسنا.
وأعلم تمام العلم أن كثرة التحليل والتعقيد في أي شيء يميته ويميت النفس ذاتها، ولكن ما وصلنا إليه من همجيه في القول والفعل، وتسارعٌ في الأحداث وكثرة الكذب والشائعات، يجعلنا أحوج الناس إلى التريث والصمت والتفكير بعيداً فكرة ‘حشر أنفك’ في كل شيء، وليس ‘حشر الأنف’ هذا هو العيب في حد ذاته وإنما مصدر المعلومات والذي من خلاله قد ‘حشرت أنفك’ وهذا بالطبع عن طريق مصدرك النفيس المسمى بالفيسبوك!!،
ولك أن تعلم شيئاً هاماً بأن الفيسبوك ليس هو الله!، الذي تأخذ منه تمام علمك ومعلوماتك، ولك أن تعلم إذا كنت تريد أن تكون رجلاً إيجابياً بحق، فعليك أن تحارب هذا العالم المتصارع، بأخلاقك التي نسيتها من أجل إلهك الفيسبوك!، حاربهم بعملك المتقن، حاربهم بأن تقرأ وتبحث عن حلول عمليه تفيد بها من تطوله عيناك من أناس تحتاج إليك، فلا تظن بأن من سوف يخرجنا من ظلمتنا هذه، أناسٌ الكلام أحب إلى قلوبهم من العمل، فاللكلمة قيمةٌ عليّه، وكثرة تكرارها يطفئ بريقها ولمعانها، وهذا هو الحاصل لنا الآن لم نعد نشعر بمعنى الكلمات، وهذا لكثرة تكرارها وابتذالها وتعميمها على كل من هب ودب..!
ع.ع



