منتدي أوراق عربيةمنتدي القصة القصيرة

“مزرعة الموت” …. هيثم سالم لموقع أوراق عربية – قصص قصيرة

“مزرعة الموت” …. هيثم سالم لـ موقع أوراق عربية – قصص قصيرة

شمس دافئة – على غير عادتها – شقت فتحة خلال نهاية يوم اكتنف الرمادية لونا لسحبه،

أرسلت شعاعا ذهبيا يميل الى لون الاحتراق نحو بلدة فقيرة هادئة تحت سفح جبل شاهق فأضفت روحانية وهدوءا سكن الأجواء ليخلف موجة حرب وكره وعاصفة تقتلع بيوت الحب من جذورها،

واسفل ذلك الجبل الشاهق بيت من الطين في هيئة كوخ صغير..

بين جدرانه الأربعة المتهالكة تعيش أم رامي الأرملة البائسة في تلك المنطقة الجبلية النائية التي تبعد عن القرية بحوالي ألف قدم، تبدو علامات التعب والأرهاق على قسمات وجهها المستدير، ملتفة دائمًا بالسواد،

يصفها بعض الآهالي بالغربان التي لا تجر خلفها سوى النذير بالشوم، وبعض التجار لا يبيعونها ولا يبتاعون منها،

والبعض الآخر من العجائز ينعتوها بأقذر الكلمات البذيئة..

افنت عمرها في صراع طويل مع الحياة فكانت تبذل الغالي والنفيس من اجل الحصول على قطعة من الخبز لرامي ولدها الذي كانت ترى العالم من خلاله وكان الفرح يدق باب قلبها عندما تنظر اليه..

توفي أبا رامي بعد زواجهما بثلاثة اعوام، وهو يعمل في مزرعة جوزيف

التي تربض كوحش مخيف بأشجارها وأسوارها الضخمة الشامخة، تبلغ مساحتها مائة فدان ويزرع فيها مختلف أنواع المحاصيل من حبوب وبقوليات وخضروات وفواكة شتَّى،

ومن الداخل وفي كل مكان أنواعًا مختلفة من الكلاب والفهود وبعض الأسود الضخمة التي يلقى إليها بمن يرفض أو يتوانى في تأدية عمله على الوجة الأكمل، قالوا حينها أن موته قضاء وقدر ورضغت لما قالوا وكتمت حزنها ورفضت أن تأخذ أموال التعويض منهم..
البؤس والشقاء والفقر… هذا ما كانت تقاسيه ام رامي في رحلة حياتها للدنيا؛

بعدما حرموها اخوة زوجها من حقها في الميراث وعزلوها عن بيت العائلة مقابل ان تضم أبنها لحضانتها وتأخذه للعيش معها، فوافقت وبعدت عن القرية لتعيش منعزلة بأبنها في كوخ مظلم موحش كالقبر..

خلف تلك الأسوار يموت سنويًا ما يقرب من اثنى عشرة رجلًا من أهل القرية لأسباب غير معلومة

ولا يستطيع نفر منهم أن يفصح بما يرى وألا سيكون مصيره وأسرته مثلهم..

وكان ذاك الجوزيف يدَّعي القداسة وانه شخص مبارك لذلك رزقه المسيح بهذا الخير الكثير،

وأجبر العاملون في أرضه من قومه أن يقبّلوا الأرض بين يده،

وأحيانًا يظهر سخائه وكرمه ويعطي لهم بعض المحاصيل بالمجان ويقوم بفتح لهم مزرعته الخضراء الثرية مجانًا

في أيام الأعياد فلهم فيها مما يتخيَّرون وتشتهي الأنفس..

كان يستدرجهم بقناع الطيبة ليأخذ الرجال والشبَّان للعمل في أرضه المتسعة كفضاء لا نهاية ولا بداية له،

وعندما يموتون من كثرة العمل والضغط تحت عصي رجاله الضخام الشداد؛ يخبروا أهله ان المسيح اختارهم واصطفاهم لينتقلوا إلى جنة السماء بعيدًا عن الأرض والشقاء ويجب أن يسعدوا لنيلهم هذا الشرف العظيم..

ولأن اليد العليا والأموال والنفوذ هي صاحبة السيادة لم يكن للأهالي حول ولا قوة،

فالموت يتربص بهم ويحطاط بهم من كل جانب وقد سلبت أرضهم فنظام الحكومة الجديدة في جباية الضرائب وجمعها ونظام الملتزم وغيرها من المسميات المملوكية والتركية والوظائف الوضيعة أودت بحياتهم إلى قاع الجحيم..

ودعت ام رامي الفرح ورحبت بالحزن ضيفًا ثقيلًا إلى انقضاء الأجل واصبحت ذليلة بين الناس

واخذ اليأس ينخر في اطراف جسدها كالمرض الخبيث..

لكنها كانت تصبر نفسها على صدمتها عندما تنظر لمثيلاتها الذين فقدن أزواجهن ووجود رامي إلى جانب كثرة المفجوعات بازواجهن خفف عليها الحزن والألم..

عاهدت زوجها منذ ان توفي ان تعتني برامي وتجعله سعيدًا ولو على حساب سعادتها وان تجعله في احسن حال فرفضت عدة طلبات زواج واصرت أن تعتني ببنيها..

فكان على المرأة الأرملة أن تفكر في طريقة لجمع النقود لتستطيع العيش،

وأخيرًا أهتدت لصناعة الجرار والأواني الفخارية  من الطين المتوفر بكثره في أراضيهم..

وامتهنت هذه المهنة واصبحت اول سيدة قروية تمتهن هذه المهنة الشاقة ورغم اجادتها لمصنوعاتها

ألا أنها كانت تبيعها للتجار مقابل ثمن بخس دراهم معدودة..

كانت حياة البؤس لا تفارقها فبيتها في منطقة نائية لا يقي من حرارة الصيف ولا برد الشتاء؛

لكنها رممته وبأستخدام الطين والألوان الطبيعية جعلته كحجرة عرش في أحد القصور الفاخرة، وادخلت ابنها مدرسة كنسيّة بالمركز، حيث تعاقدت مع احد ناقلي الجرار الذين تثق بهم على أصطحاب ابنها معه إلى المدينة..

وذلك في مقابل بعض الجرار المجانية..

يكبر رامي ويتعلم ويجتهد والفرحة تغمر الأم ويعيش الأمل في قلبها من جديد..

تغيرت حياتها بعدما كانت تصارع الفقر.. وظل رامي ينجح ويتفوق ويتقدم في دراسته حتى بلغ امتحان القبول للجامعة والذي يتعين عليه السفر إلى العاصمة ومفارقة الأم وقالت حينما اخبرها بخبر قبوله في كلية “الحقوق”

– الحمد لله الذي صبرني وقواني وابقاني لهذه اللحظة كي اراك يا ثمرة فؤادي.
فقبل يدها رامي وقال:
– امي لقد تعبتِ كثيرًا من أجلي وحان دوري لأسعادك، هذا وعد يا امي ان احصل على اعلى الدرجات

من أجل أن نكون في حال أفضل واخذ “بتأر” أبي ممن ظلموننا.
ربتت الأم على كتف أبنها بيدها المتشققة من العمل المجهد، وبركان من الدموع الساخنة

يسيل على وجنتيها التي أنهكتها السنين العجاف، فقد بلغت من العمر عتيَّا، وشعرت وهي تحتضن إبنها

الذي كبر جسمة وأصبح رجلًا يعتمد علية بقُشَعْرِيرة تدب في أطرافها وتذكرت زوجها المتوفّى..

ثم ابتسمت واخذت تمسح دموعها وقالت بصوت متعب حزين:

– الحمد لله، وفقك الله يا بني واعانك وارجعك لي سالمًا.
قال بأبتسامة:
– لا تقلقي عليّ يا أمَّاه، سيكون لنا مستقبل مشرق وننتقل لبيت أفضل وسوف تتوقفين عن هذا العمل المرهق

ثم نذهب للحج وحالما نعود تتفرغي بقية حياتك لعبادة الربّ

وسوف أخدمك واسهر على راحتك لعلي أوفيكِ بعضًا من تعبك.
– أعطاك الله العافية يا بني لكن لا يوجد أم تنتظر من إبنها رد الجميل، هي فقط تتمنى له النجاج والحياة السعيدة مع من أحب.
– أحبكِ أمي آلان وزمان وإلي آخر الزمان وعدد ما فات من الآيام والسويعات وعدد ما آت وعدد السموات بما فيها من نجوم وقمر وشمس وكواكب وكائنات.

تمر سنوات الدراسة مسرعة على الأبن ومضنية جافة على الأم التي تقاسي الوحدة،

وبعد إنتهاء الدراسة يعود لها الأبن وهو في تمام سعادته وتفرح وتبكي عينيها فرحًا لعودتة

، وفي ذلك اليوم المشؤم الذي ذهب فيه الأبن ليستلم شهادة التخرج..

ذهب بعدها إلي الكنيسة الأرثوذوكسية لشكر الرب على فيض عطاياه ومباركة حياته القادمة؛

فحدث ما أضنى القلوب وجرح القلوب.. إنفجار إرهابي داخل الكنيسة، لقى فية رامي حتفه..

وتلقت الأم الخبر كالصاعقة وخارت قواها وسقطت على الأرض التي أحتضنت جسدها هذه المرة إلي الأبد.

 

 لمتابعة المزيد من الأعمال / موقع أوراق عربية ، قصص قصيرة  

تابعونا  موقع أوراق عربية ، قصص قصيرة علي فيسبوك 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق