منتدي أوراق عربيةمنتدي القصة القصيرة

“ولمَّا مرَّت آسيا” …حامد بدر قصة قصيرة لموقع أوراق عربية

المشهد الأول

طفل في الرابعة من عمري، وعادتي كل صباح، أقف في نافذة الغرفة المطلة على شارع الحي الرئيس المقابل لبيتنا

أنظر إلى حيث الفراغ الساكن إلا من شقشقة بعض العصافير ومرور بائع الجرائد، ريثما تقوم أمي لتعد الفطور،

وأستعد للذهاب إلى مدرستي.

حياتي لا جديد فيها رتيبة، الكل منشغل ولا يأبه بي، كوني الأصغر بين إخوتي الذين كلما مرّ يوم صاروا في شُغُلِهم منهمكون في الحياة، كشأن أبي وأمي ..

فانشغال العالم بأسره عن حياة الأطفال فيه فُسحة أخرى لا يعلمها إلا أمثالي الذين اعتادوا الوحدة وصاروا راغبين في العزلة عن ضجيج الحياة وتساؤلاتِ كبارها.

***
المشهد الثاني

كان كل يوم روتيني كالعادة، حتى أتى يوم عيد ميلادي الخامس

أو حين مرت ذات الجديلتين المائلتين إلى الصفرة، صاحبة الوجه البدر مبتسمةً ببراءة الوليد، وأخذت تلوِّح،لم أكن متأكدًا إنْ كانت تلوح لي أم لا، ولكنني رفعت يدي أبادلها التحيّة.

استمرت في بسمتها التي لم تفارق شفتيها الورديتين، ومع هَفْوِ النسيم أصبح يبادل كلانا النظرات،

التي كانت هدأة الصباح الباكر مناخها الممتاز لتتناقل هذه المشاعر الطفولية التي تجتاح كل طفل في تلك السن الصغيرة عبر اثنين، تلك المشاعر التي لا توصف إلا بـ “الحب العذري” حبًا طاهرًا نقيًا عفيفًا ليس له أيَّة مقدمات،

سألتها بصوت يملأه الدهشة كان من السهل أن يطرق مسامعها الصغيرة:
 أنا: ما اسمك؟
 الفتاة في سكينة تناغمت مع صفاء الطقس: “آسيا”..
ثم ساد الصمت، ولم يكلِّم أحدُنا الآخر، حتى نادتني أمي، كي تخبرني ببعض الترتيبات التي يجب أن نعدها سويًا،

كي يكون كل شيء على ما يُرام خلال الاحتفال.

***
المشهد الثالث

تعودت في صبيحة كل يوم يوافق يوم ميلادي أن أخرج إلى شرفتي في السادسة صباحًا،

أنظر إلى حيث تقف ليتكرر المشهد في صمت، تبتسم ذات الرباع القليلة تهديني قبلة عبر الهواء،

مرت الأيام خواليًا إلا منها.. فكبرت وانتقلتُ إلى مرحلة أعلى في حياتي الدراسية،

وصار الوقوف في تلك النافذة منعدمًا تمامًا حتى في المساء، إلى أن كبرت وصارت أولويات أخرى في الحياة تزاحم أولوية أن أقف في الشرفة أو أن أحتفل بيوم “عيد ميلادي”.
تتحول الأيام إلى شهور، وسنين، وما عدت أذكر عن “آسيا” سوى صورة في الطفولة

فها أنا ذا أحصل على شهادة جامعية كبيرة، وقد شغلتُ موقعًا مرضيًا لطموحاتي في حياتي المهنية

إلا أن الخيال لم يخلْ لحظة من تلك الجميلة التي تستحق أن تتملك فكري ودواخلي، تُرى هل سأجد مثل آسيا ؟

.. هل سأقابل من أحبها دون إرادة مني، كما أحببت آسيا؟ .. هل أجدها حقًا في أي من بنات العائلة أو العمل ..؟
ينعتني الأصدقاء بالجنون كما تفعل العائلة تمامًا، وأنني مازلت حالمًا في عهدٍ قُتِلَ فيه الحُلم، الشمس تُشرق علينا من أجل أن نستثمر يومًا نجد فيه حبيبًا وأنت تبحث عن حبيتك في الأحلام .. هااا “مسكين”.

ولكنني لماذا أكترث ولدى منطق وفلسفة؟، فمنطقي في الحياة محسوم ..

من أحب سيظل على عهده حتى ولو كذَّبته الدنيا بأسرها، فالذين يحبون هم الأحياء، ومن سواهم “أجساد موتى”

لم تنل الحياة منهم سوى جوارح تتحرك، أمَّا فلسفتي في الحياة أن الحب مشكاة من نور تضيء حياة المحِب ..

وللمحبوب نصيب من سنا ضوئه، والجريئون فقط، هم أولئك الذين يسمحون لذلك السنا أن يضيء إشراقة لا يأسًا..

من يعيش حلمه الوردي ربما لا يجد نهايةً.. وأنا اخترت النهاية حتى ولو لم تكن مخلوقة من الأساس ..

***
المشهد الأخير

اليوم أتممتُ ثلاثين ربيعًا، نظرتُ إلى نافذة حجرتي، كل شيء تغير في هذه الحجرة سواها، اقتربت من النافذة أضحك بهستيرية، أخجلُ من عقلي الطفولي الذي يوسوس لي أن افْتَحْ النافذة عساك تجدُها،

وتكمل نصف دينك أو تجد نصفًا لدنياك الفارغة.
فتحت النافذة، دققت النظر:
 (ضاربًا بكفي على الجبين مندهشًا): آه .. يا إلهي هل لا زالت .. ؟
أمسح بأصبعي عينيّ: إنها هنا تقف بنفس الهيئة.. إنها الفتاة .. “آسيا”، “أقف ولستُ مستوعبًا”،

هي الآن في عمر الزهور، مقبلة على الحياة، صحيح تغيرت الملامح إلى كائن مُفعَم بالأنوثة، ولكن الروح كما خلقها الله ..

عيناها الباسمتان تناديني، إلى حيث منتهى الأمل، ومبتدا لا أعلمه .. هل كان يتصور أحدٌ ما أن ألاقيها ؟

يا كل من نعتني بالجنون تعالوا اليوم لقد رأيتها، ما زالت تنتطر.. تقف كما كل عام، وكأنها لم تنقض عهدها يومًا.
 مشيرًا إليها: أنتِ؟! .. آسيا؟!
 ببسمة: تهز رأسها بالإيجاب.
تجرأت وترجلت درجات السُلَّم، والفرحة تكاد أن تطرد قلبي من الأضلع، لم أكن أعلم بأن النهاية أجمل مما تصورت ..

اليوم أقابل آسيا .. اليوم ولأول مرة يداي تلامس يديها .. ناظرًا إلى لمعة في عينيها الجذّابتين

حدّ الوله: كيف كانت كل هذه السنون تتلاعب بعواطفي، كيف لم ترسل لي الحياة إشارة واحدة بأنكِ حقيقة ولستِ وهمًا في خيالي؟ ..

كيف كانت كل الظنون تخيب في كل مرة أحاول فيها أن أصرخ مدافعًا عن وجودك الذي آمنت به منذ صغري وكفر به سواي؟
ودون مقدمات.. أصوات متداخلة حولي تشوش على المشهد نظرت خلفي وإذ بي أجدُ ثلاثينيًا طريحًا على الآرض يشابهني، فتصلّبت مصدومًا؛ ليس لشي إلا لأنه “أنا” .. أدارت وجهي إليها بهدوء، ثم دنت لتهمس بصوتها العذب في أذني: “لم يزل لدينا طريقًا أبديًا..”
 أنا “في سؤال أشبه بالتقرير”: من أنتِ؟
 الفتاة بوجه بسوم وصوت رخيم، لم يجرحه الثبات: “أنا آسـيــا”.

لمتابعة المزيد من كتابات حامد بدر  / موقع أوراق عربية -قصة قصيرة 

لمتابعة  موقع  أوراق عربية علي فيسبوك- قصة قصيرة 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق