رمضان ما بين العادة والعبادة …… رباب طلعت – خاص لأوراق عربية

“شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ “البقرة (185).
بعد عدة أيام سوف يهل علينا شهر رمضان الكريم بنفحاته الإيمانية ونسماته الروحانية العظيمة أعاده الله على الأمة الإسلامية باليمن والبركات, بعد عدة أيام سوف نستقبل الضيف العزيز الذي تنتظره ديار المسلمين بشوق عارم, فتزين الشوارع والبيوت وتنير الفوانيس دروب المارة, وتتجمع أفئدة المسلمين قبل أبدانهم في المساجد وتختلط أصوات نحيبهم وراء الإمام, تضاء المصابيح ليلاً فلا تنطفئ في الشهر الكريم فالكل قيام يصلون ويتبارزون على عبادة الرحمن وتتعالى الأصوات بالدعاء والابتهال لله الواحد القهار ويتلى القران أناء الليل وأطراف النهار, يوصل الرحم وتتوطد علاقات وتتجدد أخرى كانت انقطعت قبل رمضان, فقلوب الصائمين لا يمسها كره أو حقد فالقلوب الرمضانية متسامحة متحابة والوجوه مبتسمة مستبشرة والأيادي سخية معطاءة, فالشياطين مكبلة ولا تسمع النفس سوى صوت الأفئدة المعلقة بعبادة الرحمن, فالشهر الكريم أيامه متسارعة والغنائم كثيرة والعباد تتنافس عليها فالله يحب المتنافسين في الخير والرابح له جنات الفردوس نزلا.انتهى المشهد وتخيلات سعيدة.
بالطبع هي تخيلات أو أمنيات نمني بها أنفسنا كل عام قبل رمضان ولكنها عبادات منها ما يقام ظاهرياً ومنها ما اختفى تماماً فما عاد رمضان شهر عبادات روحانية بل هو شهر عادات اجتماعية فما عادت القلوب صافية وان اجتمع الصائمون على مائدة إفطار واحدة أو اصطفوا وراء إمام واحد, فما عاد غياب الشياطين عن شهرنا الكريم يؤثر في شيء فإن كبلت الشياطين فالنفس معلقة بشهوات الدنيا وان صارعنا النفس فنصارعها على طعام وشراب عدة ساعات ونصارع بطونا بعد الإفطار, يمر نهار رمضان في النوم والخمول عند البعض والبعض الآخر في السب واللعن متحججين “أصلي صايم”, وبعد الإفطار يأتي موعد التراويح التي تصلى على عجل تخفيفاً عن المصلين فيسارعوا في العودة لمشاهدة سيل البرامج والمسلسلات التلفزيونية التي لا تمت لرمضان ولا للدين بل ولا للأخلاقيات العامة بصلة, وكأن التلفاز صائم طوال العام ويفطر في رمضان ويتسلى على المشاهدين فلا مفر منه, تتجمع الأسر على الإفطار وتقام الولائم والعزائم ولكن بقلوب خاوية, تنار أضواء البيوت “فالسهرة تحلى” و الخيام الرمضانية تكثر فيكون الاحتفال برمضان على صوت الطبول لا صوت القرآن, وتكثر الأقاويل ويضيع الشهر المبارك في ذنوب مضاعفة عن ذنوب العام, وإن زادت العبادات عن العام كله في رمضان فتختفي بعد رمضان وتعود ريما لعادتها القديمة, وينتهي رمضان ونستقبل الأعياد بجيوب خاوية من المال والأعمال, فرمضان العادة شهر استنزاف واستغلال وتبذير في الطعام والشراب ويأتي العيد ليكمل عمليات “تنفيض الجيب”,ويأتي رمضان ويذهب كل عام “وكأنك يا أبو زيد ما غزيت” وتمر الأيام مرة أخرى فيأتي رمضان العادة وليس العبادة ,وتتكرر المشاهد المعتادة في اغتيال مظاهر الشهر المبارك, ونخرج منه محرومين من الفرصة العظيمة التي يمنحها الله لنا في كل عام لتعيننا على القرب منه طوال العام فنظل كما نحن ندعو الله فقط أن يبلغنا رمضان هذا العام وكل عام ولا أدري بأي رمضان ندعو رمضان العادة أم العبادة ؟
بلغنا الله وإياكم شهر رمضان وجعلنا من الغانمين فيه المغفور لهم بإذن الله وجعل رمضان عامنا هذا شهر عبادة لا عادة, وكل عام وأنت بخير.



