روايات مُسلسلةمنتدي أوراق عربية

جـابـر القصـاص يكتب لأوراق عربية …. سراديب – قصة مُسلسلة / النهاية

(الحلقة الحادية عشرة والأخيرة)

لقد صدق توقعي!

أخذ مني السجائر ممتنًا، ونزع غطاء إحدى العلب، وأخرج سيجارتين، مد إليّ واحدة كأنه هو صاحب العلبة، مددت يدي المرتجفة وتناولتها، سأشاركه التدخين ليس تضامنًا معه، بل لأني أشعر بكثير من التوتر، وأحتاج حقًا لإشعال سيجارة في هذا الموقف البغيض!

لقد استغرق بعض الوقت حتى اعتادت عينيه الضوء، لقد صار خفاشًا ليليًا، لا يحتمل النهار أبدًا، وينشط فقط في الليل، كيف وصل (محمود) إلى هذه الحالة؟ ولمَ؟

وجهه لم يزل شاحبًا نحيلًا كما رأيته آخر مرة، جسده كله نحيل ضئيل أكثر من أي وقت عهدته فيه من قبل، لا أعرف إن كان سيتحمل دخان هذه السيجارة، أم سيسقط مغشيًا عليه قبل أن يتمها، لكن ليس هذا أسوأ ما يمكن أن يصيبه على أية حال..

شد عدة أنفاس من سيجارته قبل أن يرفع عينيه الذابلتين إليّ، ويقول بصوت خافت:-

– “هل كان حقًا أنا؟”

أومأت برأسي إيجابًا.. نعم كان أنت.. أنت مؤسس هذه العصابة ورئيسها وآمرها، لقد اعترف أحدهم بكل شيء، وكذلك الباقون بعد أن قبض عليهم! أنت يا (محمود) قائدهم، وإن كنت حتى هذه اللحظة لا أعرف كيف استطعت أن تفعل كل هذا؟

عاد يشد نفسًا جديدًا، ثم نفث دخانه الكثيف في الهواء، قبل أن يسألني مجددًا:-

– “هل هناك أدلة على هذا؟”

أومأت برأسي إيجابًا مرة أخرى، لقد سقط القناع عن وجه أحدهم لمدة عشر ثوانٍ فقط، عشر ثوان التقطتها كاميرا المتجر الداخلية، وكانت الإضاءة كافية لتبين ملامحه، وهكذا تم التعرف على هويته، ثم القبض عليه، واعترف بكل شيء، وهكذا توصلت الشرطة إلى الآخرين، بما فيهم أنت، وجميعهم اعترفوا!

لقد عثرت الشرطة  أيضًا على أكثر الأموال التي سرقتموها ولم تنفقوها، لأنكم ما كنتم تسرقون من اجل المال، وإن كنا لا نعرف حتى الآن ما الدافع من وراء هذه السرقات..

– “الغضب!”

هكذا قالوا جميعًا في التحقيقات، كانوا يسرقون لأنهم غاضبون! ممن؟ ولماذا؟ لم يقولوا شيئًا.. بدا للجميع أنهم أنفسهم لا يعرفون ممّ هم غاضبون!

بالنسبة لك: عثروا على بعض الأقنعة التي كنتم تستخدمونها في عملياتكم في غرفتك المظلمة، كما عثروا على سلاح آلي من الأسلحة المستخدمة أيضًا، المضحك أنه كان لعبة، كل الأسلحة التي استخدمتوها كانت لعبة، غير حقيقية، لكنها مع ذلك كانت كفيلة ببث الرعب في أصحاب المتاجر والعاملين بها، ليستسلموا لكم تمامًا، وبالتالي لم تؤذوا أحدًا لحسن الحظ!

– “والآن ما الذي سيحدث؟”

هذه المرة أنا الذي نفثت الدخان بكثافة، قبل أن أجيب:-

– “إن سار الأمر كما أرغب، وغالبًا هذا ما سيحدث، سيتم تحويلك إلى المصحة العقلية، وهناك ستبقى بعض الوقت حتى يتم شفاؤك، وتستعيد ……!”

تستعيد ماذا؟ لا أعرف.. ولا أجسر على أن أقول: تستعيد عقلك! أنت بالذات يا (محمود) ما كنت لأتصور أن تفقد عقلك بهذا الشكل، لقد كنت أكثرنا ذكاءً وتفوقًا ونبوغًا، كيف وصل بك الحال إلى هذا الجنون؟!

عادة يلجأ المحامون إلى هذه الحيلة لإنقاذ موكليهم المجرمين من تبعات جرائمهم، لم يحدث لي من قبل أن استخدمت هذه الحيلة، فأنا لا أترافع إلا عن المطلقات، هذه أول قضية جنائية أمسكها، بعد أن لجأت جدتك إليّ أنا بالذات بحكم صداقتنا الطويلة، لكن المفزع أكثر أنها لن تكون حيلة قانونية في حالتك أنت، بل الأمر فعلًا يستدعي ذلك!

صمت لوقت طويل، كانت السيجارة قد انتهت بالفعل، فتناولتها منه لألقي بها في المطفأة الموضوعة فوق المكتب، قبل أن يلقي هو بها في أي مكان آخر!

قال أخيرًا:-

– “(جمال).. أين هو؟”

تنهدت بصوت مسموع، وأنا أتهيأ لصياغة الكذبة بشكل مقنع:-

– “(جمال) في عمله الآن.. يطارد عصابة جديدة، طلب مني أن أبلغك تحياته، وأنه سيزورك عندما تتهيأ له فرصة لذلك، بعيدًا عن رؤسائه بالطبع!”

(جمال) يشعر بالخزي مما حدث، أنت صديق عمره، أكثر ما يمكن أن يقهر رجل شرطة: أن يكتشف أن أحد أقاربه أو أصدقائه مجرم خارج عن القانون، هذا مهين بحق!

سألني باهتمام حقيقي:-

– “هل آذوه بسببي؟”

قلت بصدق:-

– “لا.. لم يحدث! ما ذنبه هو؟”

فعلاً ما ذنبه هو، لكنه مع ذلك يشعر بالخزي لدرجة حصوله على إجازة لأول مرة، إجازة طويلة، كي يتجنب نظرات زملائه ورؤسائه، كما أنه يفكر جديًا في طلب نقله لمكان بعيد.. سيحتاج وقتًا طويلًا حتى يجتاز هذا، وأعتقد أن إيداعك بالمصحة النفسية سيساعدكما معًا.. أنت و(جمال) على السواء!

أخرج سيجارة جديدة من العلبة، ولم يعزم عليّ هذه المرة، وبالطبع لم أحاول منعه من ذلك، ولو على سبيل الإشفاق.. عاد ينفث الدخان ببطء وبكثافة، ورفع رأسه إليّ مجددًا، ليسألني:-

– “هل ستدافع عني؟”

حتى النهاية يا صديقي..

أعرف وأثق بأنك لم تكن بوعيك، وإن كان لا أحد يعرف – حتى أنت نفسك – كيف استطعت أن تفعل كل هذا من داخل حجرتك، كيف استطعت التأثير في هؤلاء الذين استعنت بهم، حتى يطيعوك بهذا الشكل، وكيف تمكنت من رسم كل تلك الخطط بتلك البراعة، المشكلة أنه حتى أنت لا تستطيع الإجابة عن ذلك بكل أسف!

قال وهو ينفث الدخان الكثيف:-

– “أنا لا أذكر شيئًا على الإطلاق مما يزعمون أني فعلته، لكن بما أنك تؤكد أني فعلته إذن هم صادقون! أنا أثق بك أنت لا هم!”

دمعت عيناه وهو يستطرد:-

– “لا تتخل عني يا صديقي! أرجوك!”

اطمئن لن أفعل.. سأظل بجانبك بكل طاقتي، وجودي هنا في هذا المكان الذي لا أطيقه أكبر دليل على صدق عزمي على هذا، لكني لا أعرف على أية حال سينتهي هذا الأمر، سأفعل ما بوسعي وليكن ما يكون!

نجوم.. سيوف.. نسور.. أشرطة..

قرقعة الأحذية على البلاط القديم، النظرات تحيط بي في كل موضع هنا، نظرات خاوية، نظرات مرتابة، نظرات حانقة، نظرات مبغضة، نظرات غير مكترثة!

لكن انتهى كل شيء الآن، وسأرحل بهدوء!

(تـمـت)

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق