روايات مُسلسلة

وحيدة بين الزحام – قصة من عدة فصول …… شيماء صلاح خلف

الفصل الأول

ذات الوجه الخمري

————————-

“كان يوم حبك أجمل صدفة .. يوم ما قابلتك مرة صدفة ..

يالي جمالك أجمل صدفة .. يالي جمالك أجمل صدفة

كان يوم حبك صدفة “

—————————————–

  بنت….

———-

لم تكن تدري وهي تدلف ببطء وتأني إلي قاعة الدراسة المكيفة إنها تخطي أهم خطوة في حياتها , تلك الخطوة التي ستقلب حياتها رأسا علي عقب وستظل تطاردها طوال حياتها , حاولت إن تخفي نظرة الانبهار التي أطلت من عينها الحزينة  كانت  تحاول إن تسترق النظر لما حولها فتعثرت قدميها وكادت إن تسقط فعمدت إلي الابتسام لتخفي الشعور بالخجل الذي انتابها

كانت تلك الفتاة هي أمل وتلك القاعة كانت احدي قاعات الدراسة الفاخرة التابعة لواحد من اكبر معاهد الكمبيوتر في الإسكندرية وسبب وجودها هناك هو التحاقها بواحدة من تلك البرامج التدريبية التي تعدها الحكومة لشباب الخريجين

كانت القاعة فسيحة وبها عدة صفوف المقاعد للطلبة كل صف يتسع لأربع طلبة وأمام كل مقعد كان يقبع جهاز كمبيوتر ليتسنى لطالب أن يستخدمه, كانت القاعة بها أماكن لما يقرب من خمسة وعشرون طالب

تلفتت حولها لتجد فتاتين يجلسان في احدي الأركان وقد انهمكتا في حديث طويل , جلست بجوارهما ببطء نظرت حولها لمرة أخري وهي تسترجع ذكرياتها القريبة والتي قادتها لذلك البرنامج التدريبي .تذكرت  كيف انهارت أحلامها في تحضير الماجستير  نتيجة لعدم حصولها علي الدرجات المرجوة رغم تفوقها الفذ في مواد التخصص الجامعية ولكن إهمالها لباقي المواد التي لم تحبها يوما قد أودي بأحلامها وأمالها في إن تصبح معيدة بكلية الآداب , تذكرت كيف تفوقت في تخصص الإعلام وكيف أخفقت في باقي المواد وكانت المحصلة أنها نجحت ولكن بتقدير اقل مما ينبغي لدراسة الماجستير

“أتسمحي لي” أيقظتها تلك العبارة من ذكرياتها لتجد احدي الفتاتين تستأذنها للمرور , ” تفضلي ” أجابت عليها وهي تفسح لها الطريق لتمر,

عادت للتذكر ذلك الشاب الذي تقدم إليها عقب ظهور النتيجة مباشرة .. كان شاب مثاليا كما كان يترائي كان من عائلة مرموقة ويعمل بوظيفة هامة في النيابة العامة وأيضا كان وسيم ومهندم و …….و…

بالطبع هي لم تحبه ولكن شاب بهذه المواصفات قلما إن ترفضه أي عائلة حتى وان كانت عائلة مثل عائلتها ميسورة الحال جدا وذات أصول عريقة واسم معروف , ولكنها وافقت علي هذا الشاب وخلال أيام تمت قراءة الفاتحة , ثم … ثم اختفي قال انه مسافر للصعيد ليحضر أهله  ليتمم الخطبة وبعد عدة أسابيع…… ” أتفضلي معنا ” انتزعتها تلك العبارة من ذكرياتها تلفتت لمصدر الصوت لتجد احدي الفتيات ممسكة بفنجان من الشاي وتقدمه لها تنبهت في تلك اللحظة أنها لم تشعر بها وهي تدلف لمقعدها وشعرت بالارتباك وهي تقبل دعوتهن لمشاركتهن في الشاي .

أمل : ” شكرا ما كان يجب إن تجهدا أنفسكن هكذا “

احدي الفتاتين :” لا تقولي هذا فنحن سنجلس معا علي مدي عام كامل واعتقد إننا يجب إن نتعرف,أنا عزة وهي منال وأنتي؟

–          أجابت ” أنا أمل, أنا سعيدة بوجودي معكم, فانا لا افقه شيئا عن هذه الدورة “

وأخذت في الضحك وبدأت الكلمات تنهمر والضحكات تتوالي

*************************************************

  ….وولد

———–

دخل إلي القاعة بخطوات واثقة , كان يعلم إن دراسته الجامعية في مجال الكمبيوتر سوف تمنحه نوع من التفوق علي أقرانه لأنه قد سبق ودرس اغلب مقررات ذلك البرنامج أثناء دراسته الجامعية , عندما دخل وجد اغلب المقاعد مازالت شاغرة فتراجع إلي الردهة ووقف بجوار احدي النوافذ يراقب الطلبة وهم يأتون ليتخير من منهم سوف يجلس جواره , فهو لا يحبذ تكوين علاقات مع الفتيات وخاصة المصريات منهم !!!!

استغرق في التفكير ليتذكر يوم إن ظهرت النتيجة وحصل علي تقدير جيد جدا كم كانت فرحته وفرحة عائلته وتذكر كيف انه ظل يبحث عن عمل جيد دون جدوى فهو ليس من النوع الذي قد يقبل بأي شئ , إما الأفضل وإما لا

تذكر يوم إن اتصل به احد أصدقائه ليخبره عن برنامج تدريبي متطور  لتعليم البرمجة كانت قد طرحته الوزارة لشباب الخريجين  وتذكر انه رفض الالتحاق به لأنه لن تضيف له جديد ولكن تحت ضغط والديه ذهب للاختبارات المؤهلة فقط حتى يرضيهما  , اصطدم بكتفه احد الشباب , كان شابا في منتصف عقده الثالث يرتدي سروال من الجينز وحاكيت قد شمر كميه وعلي رأسه  قبعة رياضية , نظر إليه عاطف في ضيق ولكن الشاب أسرع معتذرا ” أسف لم اقصد . كيف حالك “

عاطف : بخير

الشاب : أنا مصطفي خريج آداب قسم تاريخ  وأنت

عاطف : عاطف خريج حاسبات ومعلومات جامعة القاهرة

مصطفي    : جيد جدا فأنت إذن فقد درست البرمجة من قبل, في هذه الحالة سنجلس بجوار بعضنا البعض حتى تساعدني في فهم المقررات الدراسية  هذه فانا لست جيد في البرمجة وان كنت جيد جدا في الصيانة

عاطف متململا فلطالما كان يسام من المتطفلين  : بالتأكيد .. بالتأكيد , بعد إذنك

ذهب للبوفيه ليبحث عن شئ يحتسيه حتى ميعاد بدء أولي المحاضرات ولكنه لم يجد سوي الشاي والقهوة والنسكافيه وهو للأسف لا يشرب أي شئ به كافيين فقرر أن يذهب للخارج ليشتري عصير معلب ويعود

***********************************************

كانت أمل وعزة ومنال قد انهمكن في حديث طويل عن البرنامج التدريبي ومعلوماتهن التي تكاد أن تكون صفر عن البرمجة وهي مجال دراسة الدورة

أمل : من الواجب علي أرد  لكم ضيافتكم لي

منال: لا ليس الآن فنحن لم نلبث أن انتهينا من الشاي

أمل ( مبتسمة) : أصدقكم القول أنا أريد أن اشرب نسكافيه فانه لا استطيع أن أركز في شئ دونما فنجان النسكافيه

عزة : إذن اذهبي أنتي احضري لنفسك النسكافيه أما نحن فلن نشرب شئ الآن ولكن لا تنسي لنا لديك كوبين شاي

ضحكت أمل وبادلتها منال وعزة الضحك

ثم انصرفت للبوفيه

كان هناك شابا يقف علي باب البوفيه وكان يسد الباب نهائيا كان يسال العامل عن أي عصير أو أي شئ غير المشروبات المنبهة ولكنه لم يجد

اندهشت أمل من طلبه الغريب وكانت علي وشك أن تسخر منه قائلة انه من الممكن أن يجد الحليب إذا كان والديه يمنعوه من المنبهات ولكنه انصرف قبل أن تهم بالقول

طلبت النسكافيه من عامل البوفيه ثم أسندت ظهرها علي الجدار المقابل تنتظر أن يفرغ من تحضيره لها , شردت مرة أخري مع ذكرياتها , وتذكرت كيف أن ذلك الشاب ذهب ولكنه أبدا لم يعود فبعد شهر من سفره اتصل بابيها يخبره أن أهله يرفضه زواجه من أي فتاه من إسكندرية لان ذلك الفتي من جنوب الصعيد وكيف ظل يحاول إقناعهم بان الفتاة من عائلة عريقة ومن أصول صعيدية أيضا ولكن دون جدوى

وحاول والدها أن يمهد لها الخبر ولكنها عرفته في النهاية و كانت صدمة كبيرة بالنسبة لها هي لم تحبه ولكنها اعتادت دائما أن ترفض هي الشاب وليس أن ترفض

لطالما كانت في الجامعة الفتاة محط الأنظار والأكثر شعبية رغم جمالها المتوسط ولكن خفة ظلها وذكائها الشديد وأناقتها ولباقة حديثها قد جعلوها من نجمات قسم الإعلام بالكلية ورفض ذلك الشاب لها قد طعنها في كبريائها طعنه لا تغتفر أبدا

تذكرت كيف مرت الأيام التالية لهذا الأمر بطيئة حزينة فقد بحثت عن عمل , أي عمل ولكن دون جدوى فبقيت في المنزل لا تفعل شئ سوي أن تتذمر وتغضب من كل شئ , فبعد الجامعة الأصدقاء وحلم الماجستير  أصبحت مجرد فتاه عادية تقبع في المنزل في انتظار ابن الحلال كمان كانت تردد أمها باستمرار وحتى ابن الحلال المناسب قد رفضها لأنها تعيش بالإسكندرية

عامل البوفيه :” تفضلي النسكافيه “

أفاقت من شرودها وتناولت النسكافيه ” شكرا لك” ورجعت للقاعة لتكمل حديثها مع صديقاتها الجديدتين عزة ومنال

***********************************************

ذهب عاطف ليشتري بعض العصير من الخارج وهو يعجب من موقف تلك الفتاة الغريبة وتلك النظرة المندهشة التي وجدها في عينيها عندما طلب من عامل البوفيه أي مشروب غير منبه , ثم نسي الأمر واسترجع شريط الأحداث مرة أخري ليتذكر كيف أتي لتلك الدورة التدريبية المملة

تذكر عندما حضر الاختبارات التمهيدية لإرضاء والديه وان كان قد نوى ألا يلتحق بها حتى وان نجح في الاختبارات , تذكر كيف كانت تلك الاختبارات متوسطة وكطيف انه كان واثق من النجاح, وتذكر يوم أن أتي ليعرف نتيجة الاختبارات التمهيدية فقط من باب الفضول ليتعرف علي مستوي ذكائه فقط ليس إلا ولكنه صعق عندما لم يجد اسمه غي كشف الناجحين بالتأكيد هم لك يكن ليريد تلك الدورة ولكن كبريائه يمنعه من يقول انه رسب بالإضافة إلي انه كان واثق  من النجاح

يومها ذهب بكل الغضب إلي مكتب مدير المعهد وهو يطالب برؤية نتيجة امتحانه وتذكر كيف حاول الجميع منعه ولكن كبريائه وعنده منعاه من الرضوخ وأصر علي رؤية اختباراته وبالفعل تحت ثورة غضبه لم يجد المدير مفر من أي يتأكد من نتيجة اختباره ليجد انه بالفعل ناجح بل انه من المتفوقين بالطبع اعتذر إليه ولكن في هذه اللحظة شعر عاطف بالمأزق الذي قد أوقع نفسه فيه فبعد ما حدث من المستحيل ألا يلتحق بالدورة فان يكن يريد الالتحاق فلماذا آثار كل تلك الضجة . كيف سيفسر هذا لمدير . هنا وجد انه مضطر ليستكمل إجراءات الدورة التدريبية وليس ليه بدليل أخر ولك يكن يعلم أن تلك الدورة قد تجعله يخطئ خطئا سيظل يندم عليه باقي عمره وستجعله يحيا احلي أيام العمر واسوا أيام العمر .. الخلاصة خلال عام الدورة ستتغير حياته .. ستتغير للأبد حيث اللاعودة

***********************************************

عادت أمل لمقعدها وجدت عزة ومنال يتحدثان معا فلم ترد أن تقاطعهما أخذت ترتشف النسكافيه وتسبح في ذاكرتها من جديد تلك الأيام الكئيبة التي سبقت التحاقها بتلك الدورة وتذكرت يوم أن اتصل صديق والدها واخبرها عن تلك الدورة التي قرأ عنها في الجريدة ونصحها بان تذهب إليها

وتذكرت كيف إنها كانت تطير من الفرحة لأنها أخيرا ستجد شيئا تفعله بدلا وستجد أصدقاء جدد وحياة جديدة ,بالطبع أخذت تلح علي أبيها لتذهب لتقديم أوراقها وبعد عدة أيام ذهبت ومعها والدها للمعهد وكان اليوم الأخير في تقديم الطلبات وبالفعل قدمت أوراقها وحضرت الاختبارات المؤهلة

كان اختبار الذكاء واللغة الانجليزية من أسهل ما يكون ولكن المشكلة في اختبار الكمبيوتر التي قد تجاوزتها بصعوبة شديدة

 بعد أن فرغت من الاختبارات كان لديها إحساس أنها لن تنجح لأنها لم تجب بشكل جيد في اختبرا الكمبيوتر ولكن بعد عدة أيام وجدت اسمها في أخر كشوف الناجحين ولكم كانت فرحتها إنها ستبدأ حياة جديدة  ولكم كانت صدمتها عندما أتت للمكان ورأيت الطلبة لتجد أنهم مهووسون كمبيوتر وبأنها إذا قارنت نفسها معهم ستجد نفسها من اجهل ما يكون وهنا بدأت ترتبك وتخشي الأمر فهي لم تعتاد أبدا أن تكون الفتاة المتواضعة التي لا يعرفها احد , عندها وجدت عزة ومنال شعرت وكأنهم مثلها ليسوا مهووسي حاسب كالبقية وعندما تحدثت معهم أدركت بالفعل أنهم اقل منها معرفتا بالكمبيوتر وهو ما أسعدها وشجعها علي أن تصادقهم

عزة : أمل أين ذهبتي

أمل : موجودة فقط شردت قليلا

منال : بل كثيرا ظننت أن النسكافيه سيجعلك تركزين ولا تشردي

***********************************************

    ولقاء..

———–

عندما عاد عاطف للمعهد كان قد تأخر واغلب الطلبة جلسوا في مقاعدهم فدخل إلي القاعة ولم يجد سوي مقعد واحد شاغر بجوار تلك الفتاة التي اندهشت منه في البوفيه

عاطف : هل هذا المقعد شاغر

سمعت أمل صوته الهادئ الرخيم فالتفت إليه لتجده ذلك الشاب الذي رايته في البوفيه ولم تكن قد تحققت من ملامحه جيدا

كان شابا في بدايات عقده الثاني عريض المنكبين ممتلئ الجسم وجهه ابيض مع حمره في وجنتيه أضافت إلي وسامته بعض ملامح الأوروبيين وذاد ذلك شعره البني وشفتاه الحمراوتان

كان يرتدي سروالا اسود وقميصا ابيض بسيطا ولكن ما جذب انتباهها كانت عينيه العسليتان الرائعتان وهنا أدركت أنها لم ترد عليه بعد فشعرت بحرج شديد جدا

 أجابت: ” نعم تفضل

جلس وهو يتساءل كيف لم يلاحظها من قبل كيف لم يري وجهها جيدا في البوفيه

كان وجهها بريئا لدرجة انك قد تتصور أنها لم تتجاوز العشرين عاما بعد متوسطة القامة عيناها سوداويتين واسعتين يشعان بريق وذكاء وذاد هذا البريق روعة وجنتاها الورديتان وشفتاها الصغيرتان المبتسمتان

و…….

ولونها الخمري الرائع

ظل يراقبها وهي تتحدث مع صديقتيها ويستمع لضاحكتها البريئة وكلماتها العذبة

 مر يومه الأول دون أن يتحدث معها مطلقا رغم انه كان يتطلع لأي فرصة لفتح الحديث معها ولكن خجله كان قد منعه من ذلك

بعد انتهاء الدراسة عاد إلي دمنهور بلدته فهو لم يكن قد جهز مكان ليقيم فيه في الإسكندرية بعد

دخل مباشرتا لغرفته وفتح جهاز الكمبيوتر ليجد رسالة علي البريد الالكتروني من عائشة صديقته الماليزية التي يراسلها علي شبكة الانترنت فتح الرسالة في تململ ولم يستكمل قرائها

استرخي علي فراشه ليستريح من عناء السفر وأسبل جفنيه ليجد صورتها أمامه تتلاعب بمخيلته

صورتها… هي … ذات الوجه الخمري

أمل, التي ستغير حياته وستحقق اكبر مآسيه واحلي أيام

تراقصت علي شفتيه ابتسامة دافئة وأغمض عينيه وشرد معها

       مع

ذات الوجه الخمري

     أمل

 

 شيماء صلاح خلف - خاص لأوراق عربية
شيماء صلاح خلف – خاص لأوراق عربية

 

 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)

مقالات ذات صلة

‫11 تعليقات

  1. وحيدة بين الزحام ..عنوان جيد .. وتناول القصة تم بابداع
    تحياتى ..شيماء صلاح خلف ..رائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق