منتدي أوراق عربية

سوق أم سوء ؟ …… بقلم أحمد المنسي

كنت بصدد التعاون مع أحد مراكز التدريب  وذلك من خلال تقديم مجموعة من المحاضرات والدورات في التنمية البشرية وكان لزاما علينا أن نرتب لهذا الأمر ونتفق بخصوص إعداد برامج لهذه الدورات , وأثناء المناقشة طرحت على الدكتور المسئول عن المركز بعض الأفكار, ومن خلال هذا النقاش التحضيري قلت له أن لدي كتاب خاص في التنمية البشرية يحمل فكرة وموضوعا مهم يعالج القصور في التعامل بين الأفراد في المجتمع , وقد استوحيت فكرته من السيرة النبوية العطرة وكيف أن النبي صلى الله  عليه وسلم استطاع أن يبني جيلا متميزا له سمات وصفات خاصة وكذا … , فما إن ذكرت السيرة النبوية حتى قاطعني قائلا : لا أرجوك , لا تربط بين الدين والتنمية البشرية , فإنك لو فعلت فلن يسمعك أحد , فقد كنت ألقي محاضرة منذ يومين على الطلاب وذكرت فيها ما ذكرت, فإذا بأحد الطلاب يقول لي, ( انتم تكذبون علينا , وأنتم تخدعوننا , وتدعون أن الدين يعالج آفات النفوس , ويغير الناس إلى الأفضل, ولم يتغير أحد , وظهر علينا الإسلاميون في مجتمعاتنا بأسوأ صورة , وكانوا أصحاب دنيا لا دين , إن ما تدعونه وهم وأنتم تكذبون على الناس ولا قيمة لما تقولون ولا تأثير), فأرجو منك إذا تحدثت ألا تذكر اسم الإسلام في أي دورة أو محاضرة , وذلك إذا أردت أن يكون لك اسم كبير وبارز في مجال التنمية البشرية , وصدقني أنا أقول ذلك عن تجربة . هنا انتهى كلام مدير المركز .

نعم لقد صُدمت من كلام مدير المركز , لكن ليست هذه هي المشكلة , فربما للمركز سياسة معينة في التدريب وهذا مقبول , ولكن ما يثير القلق بحق .. هو أن يكون هناك فزع من الإسلام بهذا الشكل , فهل وصلنا إلى هذا الحد بفعل آلة الإعلام المضلل؟ الذي ربط – بقصد أو بغير قصد- بين الدين وبعض الأفراد الذين أساءوا لهذا الدين؟ هل خرج علينا المسيح الدجال ؟ وهل فتن الناس في دينهم حتى جعلوه اسما مجردا من أي معنى, مفصولا عن الحياة بالكلية منبوذا ؟ وهل من المفترض بعد سماع كلمات السيد الدكتور مدير المركز علي أن أتماشى مع سياسة سوق العمل ؟

إن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم هو أستاذ الدنيا ومربي الأمة وأعظم خبير في التنمية البشرية في العالم كله , نشأ في بيئة الكفر والشرك والوثنية فلم يقترف سوء قط , وكان اسمه بين الناس الصادق الأمين , وكان قبل البعثة نورا يمشي على الأرض فيحتكم إليه الناس ويصدقونه وينزلونه منزلا يليق به .

ولما أرسله ربه للناس كان عليه أن يغير الثوابت والطبائع والعادات والتقاليد, بل ويغير النفوس والعقول والقلوب , في مجتمع قبلي يعيش في البادية لا يعرف إلا ما وجد عليه أسلافه , فدعا الناس إلى كل جميل , فكان يتحول بين يديه قاسي القلب إلى رحيم , والجبان إلى شجاع , والكاذب إلى صادق , والكسول إلى صاحب همة وعمل , والذي كان يجعل يده مغلولة إلى عنقه بالأمس أصبح اليوم يبسطها كل البسط , ومن مرض قلبه بحب الشهوات أصبح عفيفا طاهر القلب , فمن غير وجه الدنيا إلا محمد بن عبد الله ؟ ومن صنع الرجال غير محمد بن عبد الله ؟ ومن أخرج الخير الكامن في النفوس غيره ؟ ومن علم العالم ووضع أسس العلاقات الإنسانية غيره ؟ ومن جعل امرأة تزن ألف رجل من خيرة الرجال غيره ؟ ومن جعل المستضعفين من أصحابه الذين أذيقوا مر العذاب والاضطهاد يصبرون على الأذى غيره؟ كان يعرف في الرجال القادة كما يعرف الجنود , فيضع لكل واحد فيهم مهمته وعمله, كان يغير الواحد منهم بكلمة , ويشحذ همته بإشارة , ويبدد  مخاوفه بنظرة , ولما كانت الأخلاق تلبس الأكفان وتتهيأ للدفن أخرجها وأحياها, حتى قال فيه ربه ( وإنك لعلى خلق عظيم ) , فمن من علماء الدنيا وأساتذة التطوير والإبداع قال فيه ربه ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ؟.

كيف نكتم الحق الذي يبعث النور في الناس ؟ وكيف نتغاضى عن ذلك المعين الرباني الذي يدرك ماهية الإنسان ويطبب علته ويصون حركة حياته ؟ إن علم التنمية البشرية الذي وضعه العلماء من أجل تغيير الإنسان وتطويره وتهذيب سلوكه , أنشئت من أجله المعاهد والمراكز وكتبت فيه الكتب والمراجع , وجعلت له الأبحاث والتراجم , قد يختصره القرآن الكريم كله في آية واحدة فقط , وتكفيه , فعندما يقول ربنا ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) فقد جعل للتغير كلمة مرور, وعندما قال: ( إياك نعبد وإياك نستعين ) فقد تقدمت إياك نعبد على إياك نستعين لتجعل  الإنسان يأخذ بأسباب النجاح ولا يتواكل , وعندما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من لا يرحم لا يُرحم ) فقد وضع أمام الناس أول سر من أسرار التواصل الفعال بين الناس , وهكذا ..

إن العادات السبع لستيفن كوفي, أو القبعات الست لإدوراد دي بونو , أوالاحتياجات الانسانية العشرة, أومهارات التفكير , أوالتخطيط والإنجاز, أوالتواصل البناء … إلخ , وكل علوم التنمية البشرية , ستجد لها أصلا في كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم , فالخالق سبحانه أعلم بخصائص خلقه , والمجال هنا لا يتسع للتعرض لذلك تفصيلا .

لن تقصينا فكرة عن أن نصدح بما نعرفه من الحق , ولن تروعنا رداءة القيم وإن غلبت على عموم الخلق , ولن تخدعنا فتنة عارضة ستعود بعدها  الأمة حتما إلى الفضيلة , إنني كمسلم عندما أسمع عالما يقول العلم وينشره سأصغي له وأشكره – أيا كان دينه- فلماذا نعتقد في أنفسنا وفي غيرنا – من غير المسلمين – أنهم يرفضون العلم إذا كنا نحن مصدره ؟ , ولماذا نرضخ لمعطيات السوق – ونحن من يجب علينا أن نرتقي بالناس ونخرج ما نفوسهم من خير ؟

أصحاب الفن الهابط يقولون أننا مع الجمهور ومع ما يطلبه السوق , وأصحاب الفكر البليد يقولون إنه السوق وآلياته , وأصحاب الصنعة الرديئة يقولون هي أحكام السوق, فكم من موبقات وجرائم ترتكب بسبب السوق , وكأن السوق بآلياته وأحكامه وأوهامه قد عفر وجوه البشر و ودنس أفكارهم , وشوه معتقداتهم , وأفسد فطرتهم , وربما قد تحول بالفعل في أيامنا هذه .. من سوق إلى سوء .

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. المقال رااائع وناقش مشكلة حقيقية متواجدة وبشدة , للأسف من مواقف كتير اتعرضتلها اكتشفت ان الاعلام ما هو الا مسيخ دجال خلط الحابل بالنابل ووجه الناس لكره الدين والاساءة وليه وللاسف انتشرت حركات الالحاد بطريقة مرعبه ووصلت لكل بيت والناس انقادت وراها بشكل عجيب !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق