جابر القصاص يكتب…… حلم الخلافة الإسلامية.. من “الإخوان المسلمين” إلى “داعش” ج3

تحدثنا في المقالتين السابقتين عن موضوع الخلافة الذي كان واقعًا حتى أوائل شهر مارس سنة 1924م، ثم تحول إلى حلم بعد هذا التاريخ، وما زال هذا الحلم يراود كثيرًا من الأفراد والجماعات، وما زال السعي مستمرًا لتحقيقه..
لقد كانت الخلافة العثمانية هي آخر خلافة إسلامية معترف بها في تاريخ البشر، وقد قامت في أواخر القرن السابع الهجري على يد الأمير عثمان ابن أرطغرل، الذي نسبت الدولة إليه، وقد حملت هذه الدولة على عاتقها عبء حماية الإسلام، وتولت قيادة الجهاد، بل أصبحت المتنفس الوحيد للجهاد الإسلامي، بخلاف الدولة الصفوية بإيران، والدولة المملوكية بمصر والشام.
لقد أصبحت الدولة العثمانية هي الوريثة للدولة العباسية، فحمل أمراؤها لقب الخلافة، كما حملوا راية الإسلام والجهاد في سبيله، فأقاموا أكبر دولة إسلامية في القرون المتأخرة، وبقيت الحارس الأمين للعالم الإسلامي طيلة ثلاثة قرون، لكنها في القرن الرابع من تاريخها أصابها الضعف والمرض، ثم الانحطاط والسقوط نهائياً على يد مصطفى كمال أتاتورك ورفاقه من العلمانيين عملاء الغرب منذ تسعين عاماً تقريباً، وكان هذا بحق أكبر وأخطر انتصار حققه الغرب على المسلمين في عصرنا الحديث.
وأسباب الضعف والسقوط كثيرة جداً، أهمها: مخالفة منهج الله عز وجل، وتركهم الحكم بشريعته، واتجاههم للحكم بغير ما أنزل الله، وتخليهم عن الجهاد، فضلاً عن إهمالهم اللغة العربية في العصور المتأخرة، فضعف اتصالهم بمصادر التشريع، والعلوم الشرعية، وبالتالي سمحوا للغزو الفكري الغربي باجتياح دولتهم، كما أنهم سمحوا بانتشار الطرق الصوفية، بل شجعوها، فضعف إقبال الناس على الجهاد، وانتشرت البدع والخرافات وعبادة القبور، علاوة على ضعف الملوك المتأخرين منها، بدءاً من نهاية القرن العاشر الهجري، مما أدى إلى كثرة الحركات الانفصالية التي قام بها بعض حكام الأقاليم عن الدولة الأم، وزيادة النفوذ الأجنبي داخل البلاد، وكثرة الأحزاب والجمعيات السرية المعادية للإسلام، وعلى رأسها يهود الدونمة، وجمعية تركيا الفتاة، والماسونية، وحركة حزب الاتحاد والترقي، مع شيوع دعاوى القومية والوطنية على حساب القيم الشرعية، إضافة إلى التخلف العلمي والثقافي.
كل ذلك جعل الأرض مهيئة تمامًا أمام (مصطفى كمال أتاتورك) لإطلاق رصاصة الرحمة على الخلافة، وإسقاطها نهائيًا، ومحو الهوية الإسلامية عن البلاد من خلال اتخاذ دستور مدني علماني، وإدخال القانون السويسري عام 1926م ليكون حاكماً للبلاد، وإلغاء وزارة الأوقاف، وضم شئونها لوزارة المعارف، وإغلاق كثير من المساجد، وإلغاء التقويم الهجري، وإعلان العمل وفق التقويم الميلادي، مع إلغاء كافة الرموز والشعارات التي لها علاقة بالإسلام.
***
عودة الخلافة:
إن الدافع الرئيسي وراء تمسك هؤلاء “الحالمين” بإقامة الخلافة ليس فقط الاعتقاد بوجوب إقامتها، بل الأهم: هو الاعتقاد بحتمية إقامتها قدرًا، ولديهم من نصوص الكتاب والسنة ما يؤكد عودة الخلافة مرة أخرى، منها قوله تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55]
ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم:”تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضًا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة” [رواه أحمد والطبراني وغيرهما]
إن هذا الحديث يحمل البشرى لكل متطلع إلى عودة الخلافة مرة ثانية، فقوله:”تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها” وقد كانت النبوة حقيقة ثم رفعت بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم..
وقوله:”ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها” وقد كانت حقيقة، ثم رفعت يوم تنازل الخليفة الحسن بن عليّ رضي الله عنهما عنها حقناً لدماء المسلمين.
وقوله:”ثم تكون ملكاً عاضًا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها” وقد كان ذلك حقيقة طيلة عدة قرون تالية.
وقوله:”ثم تكون جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها” وقد كانت حقيقة طيلة القرون الماضية، وعايشناها، وما زلنا نعيشها.
فلم يتبق سوى الجزء الأخير من النبوءة:”ثم تكون خلافة على منهاج النبوة.
لكن الشيء الأهم الذي ينبغي أن يفطن له جميع المتطلعين إلى عودة الخلافة هو الوصف المقيّد للخلافة العائدة “على منهاج النبوة”..
إن الخلافة المبشر بها ليست خلافة (حسن البنا) وأتباعه، التي سعوا إليها طيلة ثمانية عقود..
ولا الخلافة التي حصل على بيعتها (أبو بكر البغدادي) من أتباعه، ويحاربون العالم كله من أجلها..
إن الخلافة المبشر بها هي خلافة “على منهاج النبوة”، وهذا ما يتوجب على المتطلعين لها فهمه وإدراكه جيدًا قبل الشروع في السعي لإقامتها..
إن ما يجب على جميع أهل الحق ودعاته: أن يهيئوا الأرضية الشعبية لاستقباله، فإن قرون الاستبداد، والغزو الفكري، ودعاوى الجاهلية خرّجت لنا أجيالاً لا تعرف شيئاً عن دينها وشريعتها، بل إن مفهوم الشريعة تشوّه في عقولهم، فلا بد أولا من تهيئة عامة الناس لقبول أحكام الإسلام وتشريعاته، حتى يقضي الله تعالى أمره، وتتحقق البشارة، فتأتي الخلافة فتجد لها أهلاً..
كما يجب على دعاة الحق أن يربطوا الأجيال الجديدة بماضيها التليد، ونفض الغبار عن هذا التاريخ المنسي، وإشاعته بين السواد الأعظم من المسلمين، والدعوة إلى نشره وتدريسه للتلاميذ بالمدارس، وعامة الناس بالمساجد، بغرض الاستفادة من الماضي والاعتبار بعبره، والاتعاظ بخبره.
كما يجب عليهم تحريك الغافلين من أجل العمل لهذا الدين، واستعادة مجده، وتوعية المسلمين بطبيعة المرحلة، ومحاولة تسليحهم بالثقافة الإسلامية، والفقه السياسي المتشبع بالنظرة الشرعية للأمور.
ويجب عليهم أيضًا توعية الناس بضرورة الحكم على الأشياء والأشخاص والأحداث الجارية جميعها من المنظور الشرعي، بعيداً عن النظريات الفلسفية، والمعايير الإنسانية والعلمانية، أو النزعات والنعرات الوطنية والقومية، وضرورة التركيز على الدعوة إلى وحدة المسلمين وتماسكهم، وأن الخلافة هي الإطار السياسي الأكمل والأمثل لتحقيق هذه الوحدة، فما سعى أعداء الدين لإسقاط الخلافة الإسلامية إلا لعلمهم أن هذا أقصر الطرق وأوقعها لتفتيت المسلمين وتشتيت شملهم.
نسأل الله العلي القدير أن يوفقنا إلى الحق، وأن يهدينا إلى سواء السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.



