بشــــــــر مثلــنا … بقلم رباب طلعلت / خاص لأوراق عربية
منذ ما يقارب العام وفي أحد وسائل المواصلات المملة التي أستقلها كل يوم منذ سنوات لجامعتي ومن ثم للعمل , وكعادتي في طريقي للعودة أغمض عيني قليلا لأتناسى الظلام الذي يحتضن الطريق وقسوته علي القلب وإذ بتلك اليد الملائكية تربت على يدي بلطف انظر بجواري فأجدها زهرة من الجنة تمد يدها لي بخجل وتقول لي بهمس “اتفضلي كلي دي يا طنط أكيد جعانة ” ومن النظرة الأولى ادركت أنها “لا تبصر” لم أرد أحراجها فتقبلت قطعة البسكويت بصدر رحب لكي أبدأ معها الحوار وتبدأ معها مأساتي , تحدثت كثيراً معها أخبرتني أنها تحفظ القرآن وتدرس في البيت مع أمها وأنها تحب القراءة ولكن الكتب الخاصة بها غير متوفرة وكثير من الصعوبات التي تواجهها في التعلم وصبر أمها وكفاحها معها ونظرة الشفقة التي ينظرها الناس لها وابتسامتها لم تفارق فمها الصغير , وانهت حديثها معي بجمله لن أنساها “أنا عاوزة أكون محامية كبيرة ادافع عن حقوق المعاقين أو صحفية أقول للناس أن أنا بشر زيهم مش ناقصة عنهم في حاجة ” .
لم تكن هي الفتاة الوحيدة التي قابلتها في حياتي من ذوي الاحتياجات الخاصة ففي حياتي الكثيرين منهم والذين هم بالنسبة لي مصدر قوة وأمل وألم , ولكنها الوحيدة التي حملتني أمانة تبليغ البشر أنهم “بشر زينا ” , وليس هي فقط بل حدث موقف مشابه لذلك جاء ليوقظ مارد الأمانه بداخلي ففي محادثة مع أحد صديقاتي التي تعمل في مجال ذوي الاحتياجات الخاصة وهي تروي لي قصة الشيخ الذي توسمت فيه خيرا ليحاضر بعضا ً منهم في ندوة ما, فجاء على لسانه أنكم في ابتلاء من الله ووجب عليكم الصبر وإلا فالنار مثواكم , لا أعلم كيف أصف الألم الذي اعتصر قلبي وقتها والصدمة التي لجمت لساني فلم أنطق ببنت شفة ولم أستطع يومها التخفيف عنها ولم أستطع أن أنام من تفكيري في الوحل الأخلاقي الذي نعيش فيه جميعا, خاصة عندما تذكرت فتاة في ال26 من عمرها وهي تسأل شيخ آخر وتقول له هل لي الحق في الزواج فأجابها بكل قسوة “لا , فالرجل يجب أن يبحث عن زوجة صحيحة سليمة وليست معاقة ” , أي اعاقة تلك التي يتحدث عنها وهو معاق ومتزوج ؟ انه معاق في انسانيته وفي دينه الذي لا أعلم بأسم أي دين يتكلم ؟ هل هو ديني , الدين الاسلامي دين الرحمة الذي عاتب الله فيه نبيه المصطفى عندما جاءه ابن ام مكتوم وعبث في وجهه فقال الله له معاتبا في قرآنه “عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جاءَهُ الَأعمى” , وأي ابتلاء ذلك الذي يتحدث عنه هل هو ابتلاء أجسادهم أم ابتلائهم بنا نحن المعاقين في أنفسنا وأخلاقنا ونظرتنا إليهم نحن الضائعين في أفكارنا الخاطئة تجاه كل ما هو مختلف في حياتنا , نحن المتجاهلين للهبات العظيمة من الله في حياتنا ومنهم ذوي الاحتياجات الخاصة .
ذوي الاحتياجات الخاصة مظلمة كبيرة يستظل تحتها ثمانية ملايين مواطن مصري وأكثر من مليار شخص على مستوى العالم , وعلى مر الزمان كانت اشكال الاعاقات تختف وتتنوع من عصر لآخر وكان لذوي الاحتياجات الخاصة دور بارز بل كان منهم أشخاص بارزون على مر السنوات والذين تحلوا بالصبر والرضا وتحدوا كل العوائق ليكون لهم أثرهم الكبير في التاريخ ومنهم سيدنا “موسى عليه السلام” نبي الله وكليمه و الذي كان يتعثر بالكلام فكان دائم الدعاء بأن “رب اشرح لى صدرى ويسر لى امرى واحلل عقدة من لسانى يفقهوا قولى” و الصحابي الجليل “ربعي ابن عامر” الذي بعثه سعد ابن ابي وقاص إلى قائد الفرس رستم فكان من أنجح السفراء المبعوثين رغم عرجه , وها هو إمام أهل مكة وعالمها والذي ينهل الناس من علمه لليوم “عطاء بن رباح” الذي لم يعقه عرجه عن العلم والتميز فيه و “أبان بن عثمان بن عفان” الأصم الأعمى المصاب بالبرص والشلل في أحد شقي جسمه فكان رغم هذا أحد فقهاء التابعي وعلمائهم في الحديث والذي عُين والي على المدينة وكان يقضي بينهم بالحق حتى توفي , وموسى ابن نصير القائد الأعرج الذي فتح الاندلس وافريقيا وكثيرا من بلاد أوروبا وقاوم الروم وهو أعرج , ومثله كان الإمام الزمخشري , والإمام الترمذي الذي أصابه العمى , وأبو العلاء المعري والأديب مصطفى صادق الرافعي وطه حسين وغيرهم من الأدباء العرب , بالإضافه إلى الرحاله ماجلان والرئيس الأمريكي فرنكلين روزفلت وأعجوبة المعاقين هيلين كلير المصابة بالعمى والصم والبكم منذ صغرها والتي كافحت إلى أن تعلمت القراءة والكتابة ثم تعلمت اللغات الانجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية وتخرجت من الجامعة واشتغلت في الأدب وكتابة القصص وغيرهم الكثيرين من العظماء الذين خلدوا اسمائهم في التاريخ, وغيرهم من الأصحاء مروا ولم يذكرهم أحد .
الإعاقة ليست إعاقة الجسد وإنما إعاقة الروح والعقل , إعاقة المبادئ والأخلاق والأحلام , كلاً منا يحمل بداخله إعاقة مختلفة فالمنافق معاق والمرتشي معاق والكاذب معاق والمتهاون معاق والساكت عن الحق معاق , الإعاقة الجسدية تصنع عظماء إنما الإعاقة الأخلاقية تصنع مجتمع معاق , ذوي الاحتياجات الخاصة ليسوا معاقين وانما نظرتنا إليهم هي المعاقة وتخلينا عن مسئوليتهم والسكوت عن حقوقهم إعاقة , تثنيتهم من المجتمع وتكبيل رغباتهم وتقيديها في التعليم والعمل والزواج والحقوق المشروعة هي الإعاقة , نحن المعاقين وليسوا هم ومع ذلك نأخذ حقوقنا ويسلبوا من حقوقهم .



