منتدي أوراق عربيةمواهب علي الطريق

الميكروباص …. هشام الهواري / المركز الرابع – مسابقة أوراق عربية

المتسابق : هشام الهواري

حصلت القصة علي المركز الرابع وفق تقيم لجنه التحكيم والمركز الثالث في تصويت القراء

الميكروباص

واحد رمسيس، واحد رمسيس،واحد لوحده رمسيس عشان نمشى،هكذا صاح سائق الميكروباص وهو يدفع أحد الأشخاص موجها نصيحة إلى أحد الركاب: والنبي توسعله يابيه، وخده جنبك عشان نطلع،نظرت إلى الكرسي الذى يجلس عليه هذا الراكب، أو قل بالمعنى الأصح يلمسه،إنالكرسي يحمل أربعة أشخاص، وأكاد أقسم أن مصمم هذا الميكروباص قد صممه لأن يجلس عليه شخصين فقط، ولكن هذا فى البلاد المتقدمة ودول أوروبا.
المهم اتخذ سائق الميكروباص مكانه خلف الطارة صائحًا الأجرة اتنين جنيه يا حضرات،وهمستبيني وبين نفسي أنا لسه راكب الصبح بجنيه ونص، ويبدواأن الراكب الذى بجواريسمعني فأجابني بصوت خافت أكاد لا أسمعه: معلش خلاص يعنى هي جت على النصجنيه، لو معكش خلى عنك خالص عايزين نمشى،استغربت من الردّإن المسألة ليست معى أو ممعايش، ولكن المسألة هي كيف يرفع هذا السائق الأجرة هكذا من تلقاء نفسه، ولكنىآثرت السلامة، فعلا هي جت على نص جنيه عايزين نروح والدنيا برد، وانصاع كلالركاب للأجرة الجديدة وأخرج كل منهم الأجرة دون أن يعترض، ولكن فجأة وجدتأحد الشباب يصيح بأعلى صوته: اتنين جنيه ليه؟إحنا بنركب كل يوم بجنية ونص، وكأن هذا الشاب قد ضُبط متلبسا بالجرم المشهود، وهب أكثر من راكب يعنفه ويوبخه على أنه تطاول وأعلن رأيه، تركزت معظم تعليقات الركاب حول “ياعم خلاصمجتش على النص جنيه، عايزين نمشى” وقال أحدهم بكل تعالٍ خلاص يعم، لو معكش أدفع لك، دول كلهم اتنين جنيه، مجوش حق علبة سجائر.
ووجدتني مرة أخرى أهتف فى نفسي “المسألة مش النص جنيه المسألة كيف يرفع هذا السائق الأجرة هكذا من تلقاء نفسه؟!
وأثناء ذلك جاءنى صوت السائق، ويا للعجب، فقد سكت الجميع عندما تكلم ذلكالسائق، والذى لا يتجاوز عمره الخامسة والعشرين عاما، وكأن الجميع كان ينتظركلامه، الأجرة اتنين جنيه واللي مش عاجبه ينزل، هكذا قالها حاسمة، والتفالركاب حول الشاب المعترض، كل منهم بكلمة، هذا يوبخه، وهذا يعنفه، وهذا يعرضعليه أن يدفع الفرق، واضطر الشاب إلى الرضوخ لهم فى النهاية.
ووجدتني أهتف لنفسي مرة أخرى حريصا على ألّا يسمعني أحد:المسألة مش النص جنيه، المسئلة كيف يرفع هذا السائق الأجرة هكذا من تلقاء نفسه.
تحرك السائق وبدأت يده تعبث بالكاسيت، وفجأة ارتفع صوت عالٍ من الكاسيتللمطرب شرفنطح يهتف بعلو الصوت ليخبرنا أنه مش مسطول، هو بس شارب سيجارة مشعارف لونها إيه، يا الله إن الصوت يكاد يهز الميكروباص، بل إنني تخيلت أن مَن فى الأدوار العليايصله الصوت بكل وضوح، صحت بالسائق: لوسمحت يا أسطى أخفض الصوت قليلا، ولكنه لم يسمعني بطبيعة الحال، انتظرتأن يقوم راكب آخر بإيصال صوتي إليه، ولكن لم يفعل أحد فصحت مرة أخرى وبصوتعالٍ هذه المرة: أرجوك يا أسطى أخفض الصوت فإنه يزعجنا كما أن هناك طفل صغيرمع إحدى الراكبات قد صحى مفزوعا على هذا الصوت،وأخيرا تكرم السائق بخفض صوت الكاسيت، لا لم يخفضه بل أغلقه تماما.
آه ما أعظم الهدوء وكدت أن أشكر السائق، ولكن وصل إلى سمعي صوت أذان العشاء،إن السائق لم يغلق الكاسيت من أجل سواد عيوني، ولكنهأغلقه من أجل الأذان،ياله من مؤمن!! وما كدنا نترك المنطقة التي وضح بها صوت الأذان وبدأ يتلاشىإلا وعاد السائق إلى الكاسيت وبصوت أعلى هذه المرة، ولكن هذه المرة جاءنيصوت أحد الشيوخ الذى يسب ويلعن فى تارك الصلاة، بل ويبشره بجهنم وبئس المصير،وأخذا الشيخ يتنقل من حكمة إلى أخرى ومن تهديد بجهنم إلى التهديد بعذابالقبر،كل ذلك بصوت يكاد يسمع مَن فى مكة والمدينة،وهمست لجارى :هل الإسلام كله وعيد وتهديد؟ ولماذا لا يخبرنا هذا الشيخ عن مكافأة الله لمنيحافظ على صلاته أو عن نعيم القبر للمؤمن بدلا من إخبارنا عن جهنم وعذابالقبر؟ وأعتقد أنهأيضا سيصل إلى هدفه، لم يجب جارى، ونظر إليّ نظرة فهمتمنها أنه يعتقد أنني من هؤلاء المستهزئين بالدين، وأحببت أن أدخل معه فىمناقشة. ولكنى لاحظت أن الميكروباص قد توقف وبدأ السائق يغير من طريقهالمعتاد، وبدأ يسير فى طريق مختلف تماما عما هو معتاد، وعندما نبهه أحد الركاب إلى ذلكأغلق الكاسيت وصاح بعلو صوته: الطريق واقف أعملكم إيهاللي مش عاجبه ينزل، ما هذا التهديد والوعيد الذى نسمعه كل لحظة، فصحت به وقد بلغ بي الضيق أشده،يا سيدي أنت لم تخبرنا منذ البداية عن تغيير خط سيرك، كما أنك لم تخبرنا عن ارتفاع أجرتك، كذلك لم تستشيرنا فيما تسمعه لنا الآن من أغانٍ وحِكَم وتعاليم.
وما هي سوى لحظات ووجدت السائق يقف فى منتصف الطريق ويوجه لي الكلام: يا أستاذ دي عربيتي وأنا حُرّ فيها أمشي فى السكة اللي تعجبني،أسمع اللي على مزاجي، وكمان أقولك على حاجة:العربية بايظة ومش هتكمل وأغلق المتور، ونزل من السيارة، وأعلن أن نهاية الخط هنا، وأنه لن يتحرك لأن السيارة عطلانه.
فصحت به:لا لا إنك مخطئ إنها سيارة عامة، وما أنت إلا مؤتمن عليها وعلى ركابها حتى يصل كل منهم إلى وجهته،وتصايح الركاب: اطلع يا أسطى ورانا مصالح، وتطوع أحدهم ليوجه كلامه لي: يا باشمهندس خليك محضر خير،يا عم إحنا متأخرين، متزعلهوش بقى، اتفضل يا ريس اطلع الله لا يُسِيأَك عايزين نوصل،استعجبت من هذا الكلام كيف سنصل ونحن معرضون لمزاج شخص واحد، شخص واحد فقط لا يستطيع أحد أن يغيره أو يغير فكره،إننا حقا لم نختار أن نركب مع هذا السائق، ولكنه الدور والمقادير التى وضعتنا فى طريقه، أو قل وضعته فى طريقنا.
لقد ركبنا معه لا لشيء إلّا لأن الدور قد حان عليه ليقود السيارة، لم نتعاقد معه على الأجرة، ولم نتعاقد معه على اتجاه الطريق ومتى ينتهى،لقد تركنا أنفسنا للمقادير وله ليسيرنا كيفما يشاء،بل وعندما يخطئ نجد مِن بيننا مَن يُبرر له خطأه، بل ويلقى باللوم على الركاب وكأنه يقول لهم:احمدو ربنا إنه سمح لكم تركبوا فى عربيته.
يا سادة إنكم يجب أن تفهموا أنها تحملكلمة أجرة،فهو يعلن بذلك أنها ملك الشعب، وليست ملكا له فقط،يا سادة لا يجب أن نبرر لهأخطاءه لمجرد أنه مَن يمسك بتارة السيارة،يا سادة كُلٌّ منا يستطيع أن يقود.
وتخيلت موقف هذا السائق لو علم أن منا من يمكن أن يتقدم من مقعده إلى المقعد الأمامي ويمسك بتارة السيارة ويقود الركاب إلى وجهتهم،بللقد شطح بي التخيل؛ فتصورت أن هذا السائق الجديد سوف يقوم بأخذ النقود التيأخذها منا السائق القديم عنوة وزيادة على الأجرة المعتادة، ويعيد فرق الأجرةللركاب،بل سيسألهم ماذا يريدون أن يسمعوا قبل أن يشغل الكاسيت؟
وافقتعلى صوت توسلات الركاب للسائق، يتوسلون له ويستعطفونه بتشغيل السيارةوقيادتها بالطريقة التي تريدها، ونحن خاضعون لك لا إيمانا منا بأنك قائدماهر، ولكن لأنه القدر الذى وضعك فى طريقنا، ولأننا مش عايزين مشاكل، وعايزيننروح لعيالنا بسرعة، حتى نأ كل عشاءنا، ونقبل زوجاتنا ونحكى لهم بطولاتناالزائفة، أيها الركاب،أيها الخائفون،أيها المرتعشون، لتسألوا أنفسكم سؤالا واحدا:ماذا كان سيحدث لو أننا رفضنا دفع الأجرة الزيادة لهذا السائق ورفضنا جميعا الركوب فىسيارته التي هى فى الأصل سيارتنا؟سؤال أرجو أن تجيبوني عنه بكل صدق وصراحة.
وأهو فى الآخر ده مجرد سائق ميكروباص

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق