مواهب علي الطريق

وطن كرتونه … نرمين صديق ـــ خاص لأوراق عربية

مشهد 1:

في طفولَتي كنا نَهرَع الى الشارع ضاحكين عند سماعنا صوت الصافره المُميزه لبائع غَزَل البنات ، نحمل لهفةً طفوليه للحاق بهذا الرجُل الثلاثينّي و ننقضُ عليه جميعاً كالجراد و عيونُنا مُعلقّه بأكياس غَزَل البنات التي تزدان بها العصا في يده ،، و في خلال

دقائق يعود هو بعصاه عارية .

اليومَ كانت تُمطِر ثلجاً ، ولَمَحتُ بائِعَ الغَزَل و قد استحالَ طفلاً دون العاشره ، و على غير العاده كانت أكياسُ الغَزَل متراصة على عصاه تنسابُ فوقها قطراتُ الماء
و قفتُ هناك في مُقابلته ، وتسمّرَت عيناي على عينيه و هما تنظُرانِ الى الذُره المشويه التي يُقبل على شرائِها الماره على عكسِ بضاعته ذات اللونِ الأبيضِ و البمبي ، وقفتُ هناك كتمثالٍ يوناني أمام ما ترائى اليّ من حُزنٍ يسكُن عيناه

مشهد 2:

كنتُ في الجامعه ، أتلمّس طريقاً للخُروج ، ومِن ورائي عشرات الطلبة و الطالبات يفترشنَ سُلَّم احدى الكُليّات و يهتفنَ بأسم أحد زملائهم الذي يَقبَع أحد السجون بدلاً من قاعةِ مُحاضراته لأنهُ عبّرَ عن رأيه و حاول التصدّي لمُغتالِ الأحلام ، كانوا يهتفون في

الخلفيه ل “صلاح” و دكتور الجامعه يعبُر جواري قائلاً بسُخريه ” خلّوا صلاح ينفعكوا ” .
و بعد عدة خطوات خارج الحرَم الجامعي صادَفتُ “عبدالرحمن ” بائع المناديل الورقيه ذو اليد الصغيره و الجسم الضيل و العينان الضاحكتان اذا ما حادَثتُه أو أصررتُ عليه ان يحتفظَ بالنقودِ و المناديل وهو يُقاوم اصراري برفضٍ قاطع

مشهد 3:

ملاكٌ من ملائكةِ الأرض ، عصفورٌ من عصافير الجنه ، طفلٌ سُوريٌ ماتَ مُتجمِداً من البرد ، نائماً كان مُستكيناً قابِعاً في كرتونه ، لم يجد مأوى يحتمي به ، تخلت عنهُ جُدرانُ الوطن فاحتمى بكرتونه ، لعلها تَبثُه ما افتقدَهُ في وطنِه ، لعلها تُعوضُه عن لفظ

الأوطانِ له كأنه مَرَضٌ مُعدّي ، لعلها تُواسيه عن رفض الجميع لهُ ، عن الحدود التي لاذ بها فاذا بها تعلو أمام عينيه البريئتين كجدارٍ عازلٍ مُحرُّمٌ عليه تجاوزه !.

يَنشُد هؤلاء المطحونون جميعاً وطناً يحتمونَ بهِ ، يعيشونَ فيه بكرامه ، يتلمسونَ سُبُلاً لحياةٍ آدميه ، يُكافحون هُم أو غيرِهِم من أجلِهِ و يدفعون أرواحَهم فداءً له ، و يأبى الوطن أن يُلبّي تضرعهم ، أن يضع حداً لهذا البُؤس الرابض في العيون و الأرواح ، أن

يُعطيهم جواباً لسؤالٍ باتوا يصرخون به في لحظات الوجع و اليأس … حتى متى ؟؟!! ،، حتى متى ستظل وطناً كرتونياً هشّاً يتفتت عند سقوط أوَل قطرةِ ماءٍ عليه و يذوب تاركاً اياهم في العراء؟!

ولمّا لم يحريهِم جواياً ، يفقِد البعض ايمانهم به ويَفِرون منهُ باحثينَ عن حياةٍ كالحياة ، و يظلُ البعضُ الآخر مُنغَمِساً في الوطن الكرتوني ، آملاً في في تخليصه من الفسادِ المُستشري في جنباته كخيوط العنكبوت ، أملاً في جَعلِه وطناً أفضلَ لأبنائِهم ، حاملاً لواء

الصمود ، حتى يفنى الصمود أمام الفساد أو يفنى جَسَد حامل اللواء .

وبين هؤلاءِ و هؤلاء ، تشرًّبَت أرواحُنا بشعورِ الغُربه حتى و نحنُ في سكنات الوطن ، و تزدادُ قناعاتُنُا يوماً بعدَ يوم أن الوطن لم يَعُد وطناً وأننا غُرَباءُ الدَارِ كما كان محمود درويش من قبل ، ويترددُ الصَّدى داخِلنا عالياً بقدرِ حُبنا ووجَعِنا على وطننا حاملاً سؤالاً …. حتى متى ؟!

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق