وطننا العربي

ماذا بعد الحكومة العتيدة؟!

لبنان جيش ينقذ المدنيين

د. سلوى خليل الأمين 
مهيبة تلك اللحظات التي انتظرناها فاتحة خير، فإذا هي قاتلة كالسمّ الزعاف للبعض، وللبعض الآخر فرصة لإثبات الذات الوطنية. رغم أن الولادة المتعثّرة للحكومة العتيدة كانت قاسية الوقع على شعبية فريق، ومريحة لشعبية الفريق الآخر. إذ لم يدرك المواطن المغلوب على أمره، المسكون بالهواجس والمأزوم من كفاف اليد وانسداد سبل العيش، أنه الخاسر الأوحد، وأنّ الوضع اللبناني لم يعد حالة لبنانية صافية النتائج، بل متشابكة ومتداخلة بكل ما يجري في المنطقة حوله، خصوصًا في أزمة الجارة الأقرب سورية. وأنّ الخطابات المتشنجة والمتمذهبة التي سدّدت الكرات في الملاعب الهائجة، قد صمّت آذانه وغيّرت مفاهيم الوطنية.
فماذا بعد هذه الحكومة العتيدة التي غيّرت مفاهيم الجماهير الشعبية من وطنية صافية إلى طائفية ممذهبة تعنى بتقسيم الوزارات طائفيًا ومذهبيًا وحزبيًا وسياديًا؟ إلى ما هنالك من تسميات، كما أسياد اللعبة، وهذا ضمن حالة مرسومة ومخطط لتحرّكها على الساحة اللبنانية، بكل الزخم الموتور الذي هيّأ لمقولات نابية وسخيفة، لا تمتّ بِصلة إلى دور لبنان الحضاريّ المعرفيّ والثقافيّ، الذي ملأ الدنيا إبداعًا يشار إليه بالبنان، والذي بدأت إشعاعاته تخبو داخل الوطن، خصوصًا في عصر العولمة والفضائيات المفتوحة على العالم قاطبة، بفضل نشر هذه الثقافة المستجدة التي تترنح بين المسارات الوطنية، ولا تمتّ بأيّ صلة لتاريخ لبنان التنويريّ النهضويّ.
لهذا، ما زال الماضي الجميل صورة في البال رائعة الوقع، نتذكر من خلالها مسار الأحزاب العلمانية التي كانت هي المدرسة التي تواكب طموحات الأجيال الشابة وأفكارها النامية المتطلعة إلى الأفق البعيد، وإلى العبّ من ثقافة الأمم، بهدف إغناء العقل، من أجل إحداث نقلة نهضوية، تواكب في تقدّمها مجريات التطوّر العالمي. وكان الحلم العربي نسيج ثورات، جعلت مواسم التحرير من رجس الاستعمار، هدفًا منشودًا مكلّلًا بالتضحيات، إذ جمع الشمل الوطني في وحدة مصير ومسار كان هو القوة الضاربة التي تساهم في بناء الوطن وحمايته من المؤامرات الخارجية، التي من أهم أهدافها تجهيل الشعب وتبديد ثرواته العلمية والوطنية، والإيقاع به في بؤرة الجهل والظلامية، التي تهدف إلى المتاجرة بحياة الفرد عشوائيًا، بعيدًا كل البعد عن مضامين المواطَنة الصالحة التي تبني ولا تهدم، ولا تفسد في الوطن ولا تشجع على سرقته بشكل مفضوح، بل تجعل كل مواطن خفير، وفي الوقت نفسه تمنحه الأمن والأمان في بلده، عبر إعطائه الفرصة المناسبة لإثبات قدراته في أداء الخدمة العامة، تواصلًا مع تهيئة الجو الملائم لإنتاج الإبداع، الذي هو منشأ الحضارات وانطلاقتها عبر العصور.
هكذا ثقّفتنا الأحزاب العلمانية والوطنية والقومية قديمًا، لم تغسل أدمغتنا بمشاعر دينية ظلامية بعيدة كل البعد عن المفاهيم المثالية والأخلاقية في الشرائع السماوية، ولم تعتمد ثقافة التفرقة والشرذمة بين أبناء الوطن الواحد، لأنها آمنت بالحوار البنّاء أساسًا لانطلاقة وجودية، تنظّم حياة الإنسان والحرص على حقوقه التي تلزمه بتأدية واجباته الوطنية، وعدم تقوقعه داخل مذهب ينتمي إليه على الهوية، إذ الغاية إنتاج مجتمع حضاري، يعرف المواطن فيه حدود تحركاته التي تسعى إلى تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة التي تدمّر الأوطان.
لقد أنتج لبنان قديمًا قادة تحلّوا بالخفر السياسي وعدم التمذهب العلني، وإن كان مكرّسًا في القوانين، وكان احتساب رأي العامة لديهم يأخذ المقام الرفيع، وذلك مخافة هزال موقع أو ارتداد إلى مدارات رمادية اللون كانت تقف لها بالمرصاد الأحزاب العلمانية بحذر وانتباه شديدين، وخفية عن أعين الرقيب، بحيث تعمل على تفنيدها وتبيان أخطارها وإيضاح سلبياتها وارتداد مفاعيلها الخاطئة على بناء الوطن. لهذا، انتشرت مفاهيم الأحزاب الوطنية والقومية بين جيل الشباب والشابات، رغم محاربتها من قبل الدولة. وأصبح الفكر العلماني القومي والعربي المتطوّر، أداة الرافض للمذهبية والطائفية والمناطقية والانعزالية والتقوقع، ما جعل النضال الوطني مستمرًّا وإن بأشكال مختلفة، بحيث كانت التظاهرات الشبابية التي تخرج من الجامعات، من أجل هدف وطنيّ، تضمّ كل الأطياف من دون أيّ تمذهب كما هو حاصل اليوم.
فأين نحن اليوم ممّا سبق؟ بل أين نحن من رجالات الوطن الحكماء العقلاء، الذين لم يتخذوا الدين مطيّةً لمآربهم الشيطانية، بل حرصوا قدر استطاعتهم على احتضان القضية الفلسطينية، التي ستبقى البوصلة والهدف المنشود، مهما حيك من مؤامرات ضدّ المقاومة ومناصريها، ولو اختلفت معايير الدعم لها أيضًا بين فئة وأخرى، لأنّ مطامع بني صهيون تتعدّى حدود فلسطين إلى بلاد العرب كلّها، وكل ما يجري في المنطقة حاليًا من مصر حتى العراق وسورية ولبنان، ما هو سوى مخطط لكسر جناح الممانعة والمقاومة ضدّ العدو «الإسرائيلي»، الذي يسرح ويمرح حاليًا في كواليس المفاوضات الجارية في جنيف بخصوص سورية، عبر السلطة الأميركية التي عادت إلى التهديد والوعيد بعد فشل أعضاء «الائتلاف الوطني» في إثبات ثقافة وطنية شمولية تتّسم بمناقشة حضارية وبنّاءة في مؤتمر جنيف، أمام أعضاء الوفد السوري الرسمي المتمكّن من أصول الدبلوماسية والثقافة الوطنية المعمّقة، وقد ظهرت جليًا، إبّان الحوار والمناقشات التي جرت في جنيف، وهنا تبدو عظمة الدولة التي تعرف كيف تظهر للعالم كله قوتها الداخلية وثبات مواقفها في المحافل الدولية بحكم خبرة دبلوماسية معتمدة، لم تخضع، خلال تعيينها، لمزاجات طائفية ممذهبة، كما هو حاصل في لبنان.
هذه الأمثال المعطوفة على ما يجري في لبنان تؤلم المواطن اللبناني الذي ما زال مراهنًا على تاريخ هذا البلد الحضاريّ والمعرفيّ والثقافيّ، والذي ما زال مؤمنًا بطاقات بنيه المرفوعة على رايات المجد عبر العالم الخارجيّ، والمكبوتة داخل الوطن، إذ ممنوع على الكفاءات الشبابية المستقلة المؤمنة بالوطن فقط، إيجاد مكان لائق لها تحت نور الشمس في موطن الأرز الذي تحمل هويته بحكم الولادة. وهل قدر لبنان أن يقدّم أبناءه قرابين تضحيات بضخهم إلى الخارج، وحرمان الوطن من إبداعاتهم من أجل تنظيمات وأحزاب طائفية تتحكّم برقاب الناس؟ وكل منهم يغني على ليلاه حين المصالح الخاصة هي الهدف، بغضّ النظر عمّن راهن من الأساس على الوطن وما زال لتاريخه متمسكًا باستقلاليته الوطنية التي لا تعني الانعزال عن قضايا الأمة وأهمها قضية فلسطين والوحدة الوطنية الداخلية.
كلّ مواطن لبناني يعلم أن المنطقة العربية على فوهة بركان، وأن جمراته ستلسع الجميع، وهذا ليس بعيدًا، لأنّ الإرهاب من حولنا يستفحل في مساره ومسيرته وإجرامه، وما هو حاصل أنّ المسؤولين في لبنان ينقسمون بين مؤيّد ومعارض، في الوقت الذي يستوجب التضامن والتكاتف من أجل اجتثاث الإرهاب الآتي إلينا من خلف الحدود، والذي يطال الناس من دون تمييز، بحيث زرع الخوف في حياة اللبناني الذي بات متآخيًا مع القلق الدائم الذي أصبح يعتبره قدره المكتوب، الذي لا مناص منه، سوى اتفاق اللبنانيين في ما بينهم على حفظ الوطن وناسه وقدراته الشبابية، عبر الحرص عليه من أيّ عدوان صهيونيّ أو إرهابيّ مفبرك.

 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق