“الربيع العربي” عصافير كثيرة بحجر واحد
بعد كل هذه النتائج الكارثية الحاصلة في المنطقة العربية تحت عنوان كبير اسمه “الربيع العربي”أو “ربيع الثورات العربية”بتعبير الذين عملوا إعلاميا وبالمساعدات المالية (البتر ودولار)وبالتسليح والدعم اللوجستي على إقناع الشعب العربي بان الذي يحصل الآن على أرضهم “ثورات شعبية شبابية” من اجل الديمقراطية والحريات العامة والخاصة ومن اجل الكرامة والعدل والعيش الكريم وبعد هذه الأحداث الأليمة التي يعيشها العرب في السنوات الأخيرة بطريقة غريبة لم نتصور يوما أن تحصل في مجتمعنا علينا الآن أن ندقق النظر في ما يحصل ونعيد قراءة التاريخ والوقائع قراءة واقعية عقلانية . لقد تحول القتل الجماعي والبشع في ظل هذا الربيع إلى فعل يومي ومتكرر عندنا وتحولت الساحات العربية إلى محارق مأساوية وفضاء للجرائم البشعة جدا يتلذذ فيها القائمون على هذه الجرائم بالقتل وممارسة الموت بطرق تذكرنا بالعهود البربرية القديمة جدا وحتى أبشع من ذلك بكثير. وأصبحنا نعيش اليوم أبشع أنواع الجرائم ضد الإنسان وحرماته المعنوية والجسدية والروحية وبعناوين مغرية جدا للانخراط في “لعبة الدم العربي المهدور”عناوين لا نستطيع أن نختلف فيها لأهميتها في مستقبل العرب سياسيا واجتماعيا واقتصاديا…
فتحت عنوان الدفاع عن الطائفة ضد الإلغاء والتهميش تفككت بنية التعايش الأهلي بين فسيفساء الطوائف المكونة للنسيج الاجتماعي المتنوع منذ بدء تكوين هذه الأمة. وهذه الطائفية العنصرية أدت إلى التناحر الجماعي وتدمير البنيات الاجتماعية المتعايشة لقرون خلت وأدت إلى تفتيت المجتمع وتفكك وحدته قبليا وعشائريا ومذهبيا(شيعي-سني) ودينيا(مسلم –مسيحي)وعرفنا نوعا من الصراع الدموي بين الجهات والأقاليم والأعراق والأقطار دمر كثيرا مقومات الحياة والاستقرار والألفة بين أبناء هذه الأمة . ففي زمن قياسي تحولنا من أهالي ومواطنين ننتمي إلى نفس الوطن ونعتز بانتمائنا إليه إلى مجموعات من المتساكنين والمتجاورين الغرباء عن بعضنا البعض وانتشر بيننا الخوف والعداء لتشتعل بيننا نار الفتنة والقتل بطريقة سريعة وبشعة.
ثم تحت عنوان الديمقراطية والحريات ومقاومة الفساد المالي والإداري وتحقيق العيش الكريم وقع تجييش الشباب العربي التائق إلى المساواة والإصلاح الاجتماعي والسياسي لتدمير بنيات الدولة وتفكيك مؤسساتها وتهشيم ما عملت أجيال العرب منذ عقود إن لم نقل طيلة قرون على تحقيقه من تقدم تقني وصناعي وعمراني وأيضا للقضاء على محاولات بناء المدينة العربية ومؤسساتها. وقد قدم العرب من اجل ذلك دهرا من البذل والثورات على التبعية والاستغلال وضحوا كثيرا من اجل النهضة والرقي المدني والصناعي والحضاري الحديث كما تعرضوا من اجل ذلك إلى مخاطر الاستعمار والغزو الأجنبي لفرض العجز والتبعية والنماذج الحياتية المستوردة ولمنعهم من الاستقلال وامتلاك أسباب المناعة والقوة العلمية والاقتصادية والحضارية- فكان عزل مصر عن عمقها ومنعها عن القيام بدورها الرائد في المنطقة العربية أساسا بواسطة اتفاقيات التسليم مع الصهاينة مرعية من الاستعمار وأعوانه وتوقفت معها برامجها في التصنيع والنمو في كل المجالات ووقع الانقضاض على العراق وتدمير قدرات العرب العسكرية والعلمية بالاغتيال والقصف العسكري ويتواصل هذا السيناريو الآن تحت عنوان “ربيع عربي” فوقع تدمير قدرات ليبيا وأعيدت مصر الحضارة وتونس المدنية والحديثة إلى القرون الوسطى وامتد والعمل الآن على سوريا من اجل تفكيكها وتدميرها.
و كذلك تحت عنوان “الجهاد” والدفاع عن الدين تخوض التنظيمات التكفيرية حروبا دموية وإجرامية فضيعة وغير مسبوقة في التاريخ العربي .الإسلامي الحديث. وقد تمكنت هذه التنظيمات الوبائية من تجييش آلاف الشباب في المنطقة من عرب وغير عرب مستعينة بترسانة من الفتاوى والمفتيين المأجورين من حكومات البتر ودولار وبقنوات التضليل الإعلامي لصناعة رأي عام شبابي متحفز للحرب ومتعطش لممارسة الفتنة والتكفير .فرأينا اليوم أبشع الجرائم باسم الدفاع عن حرمة الدين وتحولت فجأة الحكومات الغربية والاستعمارية التي عانينا من ويلاتها طيلة قرون إلى حكومات داعمة للجهاد ضد الكفر كما تحولت حكومات آل سعود و مشيخة قطر إلى داعم رسمي لشن الحرب باسم الدين على الوطن العربي وتدمير قيمه وبنياته العسكرية والعلمية والصناعية . وتحول الجهاد الذي سمعنا عنه كثيرا وخبرناه طويلا وقرانا عنه في ملاحم العرب والمسلمين من جهاد ضد الصهيونية والاستعمار في مواجهة الصليبيين والتتار والاستعماريين والصهاينة إلى نوع من الجهاد البدعة تدمر بواسطته دولا عربية وينشر في أرجائها القتل على الهوية المذهبية والدينية تحت شعار إعادة اسلمة المجتمع المسلم أصلا وغابت قبلة الجهاد العربي الإسلامي فلسطين وأصبح زعماء الصهيونية مشرفين في ليبيا وسوريا على جهاد الحركات التكفيرية المتلهفة للقتل والجريمة وهدر الدماء العربية المسلمة
علينا إذن في هذه المرحلة المعقدة من تاريخ العرب والمنطقة أن نطرح الأسئلة الحقيقية أهمها على الإطلاق ما الذي حصل فعلا تحت “عنوان الربيع العربي” ثم من هو المستفيد من كل ما جرى في المنطقة الأعوام الأخيرة
و للإجابة عن السؤال الأول علينا أن ننهي الحديث عن ثورات عربية وان نقر جميعا سواء المخدوعين منا أو المشاركين في هذه المسرحية المأساوية التي يعانيها العرب والمنطقة بان الحاصل ليس ثورة وإنما انقلابات ناعمة أحيانا ودموية أحيانا أخرى أخذت مظهرا شعبيا مغريا للفئات المحرومة و المقموعة حتى تكون صيدا سهلا يضفي الشرعية الشعبية على التغيير . و المؤكد في كل هذا أن اللاعب الأساسي هو الاستعمار وحلفائه في المنطقة ومعاونيه من الحكومات والتنظيمات. فقد استغلوا جميعهم معاناة المواطن العربي وفقره وانتشار الفساد المالي والإداري كما استغلوا الإحساس بالظلم والتهميش لإنجاح مخططات معدة سلفا وتنتظر استفحال الاحتقان بكل مستوياته لصناعة التغيير وإعادة إنتاج الخارطة السياسية العربية وتوزيع القوة بين الحلفاء و الفر قاء وبطريقة تحقق أهداف الأعداء ومن يدور في فلكهم من تجار الأوطان وأعوان الاستعمار.
بينما كي نجيب عن سؤال من هو المستفيد فعليا مما يحصل في منطقتنا من ماس و فظائع غير مسبوقة و ماذا استفاد فان الواضح أن المستفيد هو الاستعمار ومشتقاته من حكومات ومنظمات مرتهنة لديه منذ عقود لم نجدها تاريخيا إلا في الصف المعادي والمستفيد أيضا الحليف الاستراتيجي للاستعمار وهو الحركة الصهيونية ومشروعها التاريخي الذي تبنيه على أنقاض الوجود العربي بأي ثمن بينما الفائدة من هذا الجحيم كما اشرنا ستكون إسقاط عدة عصافير بحجر واحد
_العصفور الأول =أن الأعداء قد تمكنوا من إغراق المنطقة في كل أنواع الفتنة السياسية والمذهبية والعرقية و الإقليمية وتمكنوا من تفكيك البنيات الحضارية والاجتماعية وزرع الريبة والخوف بين أبناء المنطقة وهو من عناصر إنجاح مشروع الشرق الأوسط الجديد وقد نجحوا في ذلك وحولوا الحياة العربية إلى جحيم واقتتال وقتل على أي نوع من الهوية
_العصفور الثاني=أن أعداء الأمس والذين مارسوا أبشع الجرائم في حق الشعوب واستنزفوا ثرواتها وشردوا أبنائها وبقروا البطون وقتلوا الأطفال وجربوا فينا كل أنواع الأسلحة الفتاكة والمحظورة وسببوا المقابر الجماعية منذ عقود الغزو قديما وحديثا تحولوا في ظل “الربيع العربي” اليوم إلى رسل سلام ومحبة وديمقراطية وعدل .تلك هي المصالحة بين الاستعمار والشعوب المظلومة مكنتهم منها تنظيمات وحكومات موغلة في الفتنة والتحريض على القتل تحت شعارات الدفاع عن الدين والتخلص من الدكتاتورية تلك المصالحة التي طالما عملوا من اجلها دون جدوى وظلوا عقودا طويلة متهمين بالظلم والقهر والشر والاعتداء على الشعوب واستضعافها تحققها لهم هذه التنظيمات والحكومات الوكيلة عن الاستعمار المنفذة لمشروع الشرق الأوسط الجديد .
_العصفور الثالث =أن الطموح القديم للحركة الصهيونية في التخلص من دول وجيوش وتنظيمات كانت دائما تهديدا لأمنها وطموحها التوسعي تحقق بأدوات عربية وباقتتال عربي _عربي .لقد حققت حرب الوكالة التي يقودها تجار الفتنة والدين وتجار الأوطان ما عجزت عنه العصابات الصهيونية المسلحة باعتى الأسلحة والمدعومة من اكبر الدوائر الاستعمارية بكل أنواع الدعم الإعلامي والعسكري المالي والتقني والعلمي. لقد سعى الاستعمار إلى تدمير عناصر القوة العربية باحتلال العراق وتقسيم السودان وإنهاك الجيوش العربية في معارك ضارية من اجل إضعافها وصناعة اختلال في التوازن العسكري الاستراتيجي لمصلحة الصهاينة ولكن لم يفلح في القضاء على الخطر العربي بل أثبتت المعارك الأخيرة وأهمها معركة تموز 2006في جنوب لبنان أن وهم التفوق العسكري قد انتهى خاصة مع تبدل التقنيات العسكرية والعلمية وأساليب المواجهة .عندها أصبح العمل على تدمير البنيات الاجتماعية للدول غير المطيعة لمشاريع الصهاينة والاستعمار ومصلحة أعوانهما في المنطقة واتجه العمل على تجنيد الرأي العام الشعبي بعناوين ديمقراطية وجهادية للقيام بهذا الدور (العراق ليبيا سوريا السودان الجزائر …) وقد تحقق لها ذلك بنسبة كبيرة.
_العصفور الرابع=إعادة توطين التنظيمات الإرهابية داخل المنطقة العربية للتخلص منها في أوروبا ومناطق الحرب الاستعمارية للسيطرة على العالم بعد أن أصبحت خلايا نائمة ومفزعة و أصبحت تنظيمات عنقودية للقتل يصعب التحكم فيها ويمكن أن تفلت من رقابة صانعيها مثل تنظيم القاعدة ومشتقاته المتوالدة عنه سواء من التنظيم أو من الفكرة التكفيرية وتحولت بذلك المنطقة العربية المجال الأساسي للنشاط الإرهابي التكفيري حتى يتخلص منها بالاقتتال العربي _العربي والديني _الديني وبين المذاهب وتقل بذلك مخاطرها بأوروبا وأمريكا .وكذلك أعيد توطينها للاستفادة منها ومن خبراتها الإرهابية في تدمير بنيات دول المنطقة والتخلص من مخاطرها على مشروع الاستعمار المتجدد تحت عنوان الشرق الأوسط الجديد وكذلك لتجنيدها في حرب الوكالة التي تشرف عليها الاستخبارات الاستعمارية والصهيونية وترعاها حكومات البتر ودولار والحكومات الاخوانية الصاعدة التي انقضت على السلطة يدعمها الاستعمار و تمولها مشيخات الخليج والتي أبرمت اخطر صفقة في تاريخ العرب صفقة السلطة والمصالحة مع الغرب مقابل إنجاح مشروع الشرق الأوسط الجديد والمساعدة في القضاء على مقاومته بتجييش الحرب وتجنيد الشباب اليائس و المهمش بالمال والفتاوى وفتح الحدود أمام الدعوة إلى الجهاد التكفيري في ليبيا وسوريا ..وقد نجح الاستعمار في ذلك إلى حد كبير .
العصفور الخامس= التخلص من الجيوش العربية ذات القدرة القتالية العالية ذات الحجم أو التسليح أو ذات الموقع الاستراتيجي والتي تهدد امن الصهاينة ومستقبلهم. فتم تدمير الجيش العربي بالعراق بالاستعانة بالطابور الخامس طابور العملاء والجواسيس وبالاستعانة بالتكفيريين والطائفيين كما تم إنهاك الجيش السوداني في حرب طويلة الأمد بين الشمال والجنوب وفي الحرب ضد دعاة الانفصال المدعومين بالاستخبارات .ويتم الآن إنهاك الجيش العربي السوري في مواجهة التنظيمات الإرهابية التكفيرية وأعوان الاستعمار المجندين لخوض حرب الوكالة التي يشرف عليها الغرب الاستعماري والصهاينة للقضاء على قدرة سوريا في مواجهة مخططات الشرق الأوسط الجديد.ثم يتم بواسطة الحرب السياسية لوكلاء الاستعمار الجدد في مصر لإنهاء مراكز القوى الوطنية في الجيش العربي المصري واختراقه بالطابور الخامس العميل وإضعافه لمصلحة الصهاينة مقابل التمكين من أخونة الدولة ورهنها لمصلحة الشرق الأوسط الجديد ويتم ذلك إلى الآن بنجاح كما يتم استدراج الجيش العربي في الجزائر إلى محرقة فرنسا وأطماعها بمنطقة المغرب العربي حتى يضعف جيش التحرير ويتمكن الاستعمار والصهاينة من إخضاع المنطقة لمتطلبات سيكس بيكو الجديدة.
_العصفور السادس=أن الاستعمار وحلفائه يعملون بواسطة مسرحية الثورات الملونة إلى قطع الطريق أمام ملامح العالم القادم الذي اخذ يتشكل بإعادة توزيع القوة عالميا وهو الآن أي العالم المفترض الجديد يقطع خطوات كبرى نحو عالم متعدد الأقطاب عالم اقل استعمارا وأكثر احتراما لسيادة الشعوب واحتراما لحرية الدول والمجتمعات في تقرير المصير .نحن على أعتاب عالم يبنى على قاعدة الاحترام المتبادل وعلى قاعدة تكافئ الفرص في التنمية والمدنية. فوقع توظيف “الربيع العربي” مطية لحرب الوكالة ونشر أكثر ما يمكن من التوتر والاقتتال الداخلي وصناعة شبكات دولية كبرى لممارسة الجريمة وتجارة القتل والترويج للإرهاب والمفاهيم التكفيرية التي أخذتنا قرونا إلى الخلف والى البربرية البشعة كي نظل ساحة للاستعمار ومآربه وأحقاده الدفينة على حضارتنا وأجيالنا وعاجزين على الانخراط الايجابي في إعادة توزيع القوة وخاضعين أكثر لأهداف النشاط الاستعماري .
_العصفور السابع=وهو صيد ثمين جدا حين يتمكن الغرب الصليبي والاستعماري من تثبيت فكرة الإرهاب والقتل على الإسلام والمسلمين . فما لم تنجح فيه أدواتهم الإعلامية وكتبهم المعادية للإسلام من تشويه سماحة ديننا الحنيف وقيمه الإنسانية والكونية الراقية رغم كل الجهود التي بذلوها مباشرة كالحرب المفتوحة على الإسلام أو غير المباشرة من خلال الحملات المشبوهة والماسونية لتكوين فكرة مفزعة عن المسلم و الإسلام نجدها اليوم تنجح فيه بواسطة الحركات التكفيرية المجندة والمتاجرة باسم الدين . فالعصابات التكفيرية والوهابية تصنع رأيا عاما معاديا للإسلام عن قصد وعن غير قصد عن غباء أو عن جهل وتحوله من دين لفائدة الإنسانية في نظر الغرباء عنه والمتعطشين لتعاليمه إلى دين تفوح منه رائحة الموت ويصبح بذلك في نظر الشعوب غير المسلمة دينا مرتبطا بصور القتل الفظيعة وبدلالة الاقتتال بين معتنقيه (قتل المسلم لأخيه المسلم على قاعدة التكفير وعلى ثنائية مؤمن كافر) خاصة وان هناك تدفقا غير مسبوق للمفتيين بالتكفير والقتل على الهوية الدينية أو المذهبية. فهذا الدين الذي يمنعنا بتعاليمه الكبرى حتى في محاربة الأعداء الاستعماريين والصليبيين من حرق الشجر وقتل الأطفال والشيوخ والنساء والعجز والعزل نجد “المدافعين” عنه يشرعون لهذه الجرائم البشعة جميعا ويبيحون اغتصاب المسلمات وقتلهن وسبيهن ويفتون في الاستمتاع بأجسادهن باسم الجهاد ونجدهم ينتهكون دور العبادة ويهدمون بيوت الله بمعتقدات غريبة وتكفيرية. لقد تمكن هذا الطابور الخامس من تحقيق أحلام المحافظين الجدد وصناع القرار الأمريكي في تشويه الإسلام والمسلمين في ظرف وجيز. واستطاعت هاته التنظيمات التكفيرية باسم الدين رسم صورة بشعة عن الإسلام والمسلمين تمكن الاستعمار من تحقيق هدفه في محاصرة الإسلام وقطع الطريق أمام الانتشار السريع الذي عرفه لدى الأوروبيين والأمريكان وغيرهم.
العصفور الثامن=إن الدول الاستعمارية و في ظل الإخفاقات الاقتصادية وتوالي أزمات الاقتصاد الرأسمالي و النيو ليبرالي وفي ظل بروز قوى اقتصادية صاعدة تهدد المواقع التقليدية للاقتصاديات الاستعمارية بأوروبا وأمريكا تسعى هذه الدول الاستعمارية المهيمنة على العالم إلى منافسة استباقي لإحكام السيطرة على مفاصل القوة الاقتصادية المستقبلية ومناطق الطاقة الإستراتيجية وأهمها حقول الغاز الإستراتيجية الكبرى سواء الموجودة ببحر قزوين أو الجزائر أو الشرق او البحيرات الكبرى المكتشفة بسوريا وموقع الشرق العربي من ممرات الغاز الدولية ومعابره الكبرى التي تربط بين مختلف القارات والدول المتصارعة للسيطرة عليها قصد التحكم في مسارات الاقتصاد الدولي مستقبلا.
_العصفور التاسع=أن الاستعمار يسعى بواسطة عنوان “الربيع العربي” إلى القضاء على مصادر قوة المقاومة للاحتلال الصهيوني وعزلها من خلال تجفيف منابعها في الدول الداعمة لها في العراق وسوريا ولبنان.. و ضربا لمحا ضنها التقليدية التي احتضنتها طيلة عقود ودعمتها ماديا وعسكريا وإعلاميا للقيام بدورها التحريري المقاوم و إضعافا للمقاومة و إنهاء للكفاح المسلح وهو من أساسيات نجاح الشرق الأوسط الجديد . و يعتبر امن العدو الصهيوني مطلبا أساسيا من المطالب المناطة بعهدة “الربيع العربي” نحو سيكس بيكو جديدة وتحيين كامب ديفد عربية تنهي الخطر المزمن للمقاومة ودعامات قوتها التي توفرها قوى الممانعة سواء الرسمية مثل الدول الحاضنة للمقاومة و أهمها سوريا أو غير الرسمية من الحركات والتنظيمات التي تضع في أولوياتها المطلقة دعم تحرير فلسطين خاصة التنظيمات اللبنانية الوطنية المتمسكة بالحق العربي والرافضة لأجندات الاستعمار بمختلف مشاربها الدينية المقاومة أو القومية أو اليسارية. و الاستعمار يسعى بواسطة حرب الوكالة إلى تحقيق هذا المطلب الصهيوني وقد قطع فعليا من اجل إنجاح هذه الأجندة الاستعمارية أشواطا كبيرة.
_العصفور العاشر= أن الاستعمار بواسطة هذا “الربيع” الملوث بالدماء والقتل والإجرام يمكن أن يقطع الطريق نحو السعي إلى الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي ويهز ثقة العرب في إمكانية أن تعاد صياغة مستقبل أفضل وديمقراطية اجتماعية .فالآن يعم الخوف من التغيير للمشاهد المأساوية التي ارتبطت به وللإحداث الدامية التي نشهدها في هذه المرحلة باسم الربيع والثورة والجهاد.يمكن أن يصاب العرب بانكماش في إرادة النضال الوطني من اجل إصلاح يكفل استقلال إرادة الشعوب و استقلال قرارها في الدفاع عن العيش الكريم. هذه الجرائم وهذه الفظا عات يمكن أن تعيدنا إلى عقود من الركود والسكون والاستسلام للأمر الواقع وفقدان الثقة في التغيير والتطور نحو حياة أفضل مكافئة لحياة الشعوب الأخرى . انه اليأس من التغيير والخضوع لإرادة الأعداء وحلفائهم من حكام مناولة و مشيخات عميلة على رأسها حكومات قروسطية تخشى هبوب رياح التغيير الحقيقي الذي يمكن أن يعصف بأحلامها ومواقعها ورغبات العائلات الحاكمة والمتحكمة في مصائر الشعوب. إنها مأساة الأجيال القادمة التي ستصاب بداء الخوف من كل تغيير وتعتبره ارتماء في أحضان المجهول.
هذه العصافير الكثيرة وربما غيرها و التي أسقطها حجر المشروع الاستعماري هي المنافع الكبرى الاستعمارية من وراء أجندة الشرق الأوسط الجديد وتحت عنوان “ربيع الثورات العربية” . لقد تمكن الاستعمار من خلال هذه الأجندة من إدارة حرب ذكية على العرب و الإسلام بواسطة وكلاء مأجورين ومسعورين ومتعطشين للقتل وإراقة الدماء. فالعرب الآن في أسوا مراحل تاريخهم وعلى حافة الخراب و تدمر حياتهم بأياد ملوثة “عربية” لا يبذل فيها الأعداء الاستعماريين والصهاينة عناء كثيرا ولا يدفعون ضريبة بل الذي يدفع الضريبة هم العرب. إنهم يدفعون فواتير القتل والدمار من أموال البترودولار ويدفعون من شبابهم المأجور و المغدور وقودا لحرب الوكالة من اجل الهيمنة والغزو وحماية المشروع الصهيوني ويدفعون بعقيدتهم وحضارتهم إلى الظلمات والعودة إلى عصور الهمجية والبربرية البشعة. تلك هي حقائق ربيع الانقلابات العربية فهل يعقلون.
بقلم محمد علي سليمان



