م.د/ محمد سعيد شوقي يكتب لأوراق عربية … حضارات سادت ثم بادت ” حضارة الأبناط “

تُعتبر مملكة الأنباط أُنموذجًا فريدًا لأبرز ممالك العرب قبل الإسلام، إذ لعبت دورًا حضاريًا بارزًا وهامًا في تسيير دفة الأمور السياسية في المنطقة خلال الفترة ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي، وأظهرت انفتاحًا غير محدود على العالم الخارجي.
الأنباط شعبٌ من أصلٍ عربي ظهر على مسرح التاريخ السياسي بحوالي عام 312 ق.م – إن لم يكن قبل ذلك – واختفى ذكره من المصادر التاريخية بعد حوالي خمسة قرون، عندما أصبحت مملكته جزءًا من الولاية العربية الرومانية بحلول عام 106م، وتشير الدلائل إلى أنّ الأنباط قد ظهروا على شكل قبائل رُحّل، تحالفت مع بعضها، وكونت مملكة بزعامة أكبر وأقوى قبيلة وهي قبيلة “نبطو”، وقد توسَّعت حدود الدولة وتعاظمت تدريجيًا مع اتساع وتعاظم سلطتها الحاكمة حتى شملت في بعض الأحيان ذلك الجزء الممتد من دمشق شمالًا وحتى شمال الجزيرة العربية جنوبًا، ومن ميناء غزة على ساحل البحر الأبيض المتوسط غربًا وحتى الأجزاء الشرقية من الأردن (وادي السرحان)، واشتملت المنطقة على منطقة النقب بجنوبي فلسطين وصحراء سيناء، وقد كانت الحدود السياسية الجغرافية النبطية متغيرة حسب تطور الأوضاع السياسية والعسكرية في المنطقة.
وهناك جدلٌ بين الباحثين حول أصل الأنباط، وتاريخ ظهورهم، والمكان الذي جاؤوا منه، وظروف نشأة دولتهم، ولكن الرأي الذي يُجمِع عليه معظم الباحثين أنهم قد جاؤوا إلى منطقة جنوب الأردن من موضع ما من الجزيرة العربية في منتصف الألف الأولى قبل الميلاد، وظهروا في المنطقة بوقت متزامن مع اختفاء ذكر مملكة آدوم التي كانت قائمة في الجزء الجنوبي من الأردن خلال العصر الحديدي.
ما تزال معلوماتنا قليلة عن الفترة المبكرة من العصر النبطي، والتي تُعاصر ما يعرف لدى الباحثين بالعصر الهلنستي، ولكن يبدو أن الأنباط لم يكونوا قد استقروا بعد خلال هذه الفترة، إذ كان يغلب على حياتهم طابع البداوة والتنقل، ومع نهاية القرن الثاني وبداية القرن الأول قبل الميلاد حدثت جُملة من التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أدت إلى تحول اجتماعي، وتغيّر في نمط الاستيطان، ويرى الكثير من المهتمين بالحضارة النبطية أن اشتغال الأنباط بالتجارة، وانفتاحهم على كافة حضارات العالم كانا من أسباب التغير الاجتماعي، وقد حقق الأنباط ثروة هائلة نتيجة لاشتغالهم بالتجارة، ففرضت الجغرافيا على مستهلكي المواد العطرية المستوردة أن يستوردوها عبر بلاد الأنباط التي كانت واقعة بين البلاد المنتجة والمستهلكة لهذه السلع، والتي كانت تنقل عبر طرق رئيسة تمر من بلادهم، وتربط الجزيرة العربية بمنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط وسوريا.
قاوم الأنباط المستعمر الأجنبي منذ مرحلة مبكرة من تاريخهم، فتحاربوا مع خلفاء الاسكندر المقدوني في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد. كما أدى التنافس النبطي البطلمي الذي بلغ ذروته خلال فترة حكم القائد البطلمي بطليموس فيلادلفوس الثاني 284-246 ق.م إلى ازدياد الصدام بين الأنباط والبطالمة الذين كانوا يرغبون باحتكار التجارة، وخصوصًا البحرية منها، فقاوم الأنباط هذا المد الاستعماري البطلمي، ومن ثم الروماني ولكن هذه المرة بالطرق الدبلوماسية، كما اصطدموا مع اليهود مرارًا وخصوصًا خلال فترة حكم الملك النبطي عبادة الأول (96-86 ق.م)، والحارث الثالث (86-62 ق.م)،
وانتهى الاصطدام هذا بمساعدة الملك مالك الثاني (40-70م) للقائد الروماني تيطس في محاولته القضاء على اليهود عام 67م.
تعتبر فترة حكم الحارث الرابع (9 ق.م-40 م) والملقب بـ “محب شعبه” أزهى فترة في تاريخ الأنباط، إذ شهدت فترة حكمه جهودًا لتوطيد الأمن ولتطوير المجتمع، كما شهدت نهضة عمرانية وتطورًا اقتصاديًا لم يسبق له مثيل، واهتم بعاصمته البتراء، كما اهتم بالأجزاء الجنوبية من المملكة، وخصوصًا بمدائن صالح (الحِجْر).
بدأ التدهور يدب في جسد الدولة النبطية مع نهاية القرن الأول قبل الميلاد وتحديدًا خلال فترة حكم الملك مالك الثاني (40-70م) ورب ايل الثاني (70-106م) الذي اهتم بالأجزاء الشمالية من المملكة، ويبدو أن فترة حكم رب ايل قد شهدت تدهورًا عامًا، الأمر الذي سهل مهمة الرومان بضم البتراء عام 106م بأمر من الإمبراطور تراجان الذي أوعز إلى قائده كورنيليوس بالما بهذا العمل، حيث ساعد بالما في مهمته هذه ضعف الأنباط السياسي، إضافة إلى أطماع الإمبراطور الروماني تراجان التوسعية الذي كان يرى في نفسه خليفة الاسكندر الكبير، ويبدو أن الضم كان وراءه دوافع اقتصادية أخرى تمثلت في رغبة الرومان السيطرة على طرق التجارة.
ورغم انتهاء دولة الأنباط سياسيا بحلول عام 106م، إلا أنهم استمروا يمارسون دورهم التجاري في المنطقة، كما تشير الدراسات إلى أنهم قد لعبوا دورًا هامًا في الفتوحات الإسلامية بعد اعتناقهم للإسلام.
ما تزال معلوماتنا عن الحياة الاجتماعية النبطية قليلة وذلك بسبب قلة المصادر الكتابية النبطية التي تتحدث عن هذا الجانب، وتبقى كتابات الجغرافي اليوناني سترابو المصدر الأهم، رغم عدم دقته في الوصف وتناقض بعض المعلومات التي ذكرها مع نتائج الحفريات الآثارية، حيث يقول في جغرافيته أن الأنباط شعب حساس يميلون إلى التملك، فيكرمون من يزيد ملكياته، ويغرمون من ينقصها، ويتحدث عن لباسهم ويقول بأنهم يمشون دون أن يلبسوا الأردية الرومانية، حيث كانوا يرتدون نطاقا حول الخصر كما كانوا يلبسون الصنادل، وكان ملوكهم يفضلون اللون الأرجواني. ويتحدث سترابو أيضا عن احتفالات عامة كان ينظمها الأنباط في جماعات حيث يتناول المشاركون في الاحتفال الشراب بما لا يزيد عن أحد عشر كأسًا وبوجود موسيقيتين اثنتين، ويتحدث عن منازلهم المبنية بالحجر ويقول أنها مكلفة، وإن بلدهم مليء بأشجار الفاكهة، كما كان لديهم الكثير من الضأن والجمال.
تشير النقوش التي تعلو واجهات القبور الموجودة في مدائن صالح، إلى وجود طبقات في المجتمع النبطي، فالواجهات المنحوتة في الصخر كان يملكها القادة العسكريون والمدنيون وأبناء وبنات الذوات في المجتمع، أما أفراد الطبقة الدنيا، فكانوا يدفنون في مدافن بسيطة، وكان للمرأة بالمجتمع النبطي مكانة مميزة، فكان للمرأة النبطية حق التملك والميراث، كما ظهرت صورتها أحيانًا جنبًا إلى جنب مع زوجها على القطع النقدية التي سكها ملوك الأنباط، وقد أشارت البرديات النبطية التي عثر عليها غرب البحر الميت إلى امتلاك نساء نبطيات لعقارات زراعية في المنطقة الواقعة إلى الجنوب الشرقي من البحر الميت.
تؤكد أسماء الآلهة التي تعبدّها الأنباط عروبتهم، فقد تعبدّوا إلى العديد من معبودات العرب قبل الإسلام، كما تُشير الأدلة الكتابية النبطية إلى تأثر الأنباط بالعديد من الأقوام المعاصرين لهم، فأخذوا من الجزيرة العربية بعض الآلهة كذي الشرى واللات والعزى ومناة، وأخذوا من شمالي بلاد الشام عطارغتيس، وأخذوا من مصر ايزيس، كما شيَّدوا معابد على النمطين العربي الجنوبي والسوري.
اهتم الأنباط بالبعث بعد الموت فنحتوا مقابر في الصخر زُيِّنت واجهاتها الخارجية، والتي تتميز بالتناظر التام، بالعديد من العناصر المعمارية المميزة التي تعكس الهوية المحلية النبطية، إضافة إلى عناصر فنية خارجية آشورية ومصرية وسورية ويونانية، وتؤكد دراسة الواجهات النبطية المنحوتة في الصخر أن الحضارة النبطية قد تأثرت بالعديد من الحضارات المعاصرة أو السابقة لها تأثرًا كبيرًا، حيث كان للأنباط ومنذ بداية تاريخهم علاقات بسكان جزر البحر الأبيض المتوسط، وروما، والجزيرة العربية، ومناطق عدة من بلاد الشام، ثم تطورت هذه العلاقات الناتجة عن المعاملات التجارية، ونتج عنها تأثيرات شتى على الحضارة والفن.
لم يقتصر فن الأنباط على نحت الواجهات فحسب، بل صنعوا التماثيل وزخرفوا الفخار ورسموا الرسومات الجدارية المميزة على بعض واجهات المباني، ورصفوا أرضيات الحمامات بالفسيفساء، وطلوا الواجهات المنحوتة في الصخر بالجص ولوّنوها، كما استخدم الفنان النبطي العديد من العناصر الزخرفية في فنونه كالزخارف النباتية والحيوانية، وأكثر من استخدام العناصر النباتية كالكرمة والرمان لتزيين الأفاريز والأجزاء المعمارية المختلفة.
تابعونا في الجزء الثاني




