“ملناش دعوة يا مهي, هنا كل واهد في هاله ” واحدة من أشهر أفيهات الأفلام والتي أصبحت تتردد كثيراً على ألسنة الشباب حتى تحولت إلى دستور يومي ينتهجه الشعب المصري وتقدسه الشرطة المصرية , فخلال أسبوع واحد حافل بالاعتداءات الأمنية على بعض معارفي والتي تكللت بثقافة “كل واحد في حاله” أيقنت أن مفهوم النخوة والشهامة أصبحت ادعاءات واتهامات باطلة يتهم بها شعبنا المصون , وأن وطننا وطن بلا غطاء أمني, ففي مساء أحد الليالي الهادئة يواجه أربعة شبان تكتك في داخل أحد الأراضي الزراعية مشتبهين بعملية خطف لفتاة رأوها جالسة فيه مع ثلاثة من البلطجية المعروفين والمفرج عنهم منذ عام فتحولت ليلتهم لعلقة موت واعتداءات جسدية وتشويه بالأسلحة البيضاء وبعدما تمكن أحدهم من الهرب بالتكتك المشتبه به عائداَ إلى قريته الصغيرة ليستجير بأهل قريته فيتجمع أهل القرية للفرجة, ويقوم المجرمين بخطف الثلاثة الآخرين وإرسال وسيط لأهلهم مطالبين بالتكتك المخطوف وفدية لاسترجاع أبنائهم, فيستجير الأهل بالشرطة آملين ألا تخيب رجائهم فتتدخل الشرطة وتذهب للقبض على المجرمين ومع أول طلقة في الهواء من أحدهم تنسحب الشرطة مرددة “ادفعولهم الفدية”, وبعد دفع الفدية وعودة الرجال الثلاثة بثلاثة أيام تخطف فتاة صغيرة عائدة من أحد دروسها الخصوصية مع رفيقاتها في وضح النهار على مسمع ومرأى من الجميع في منتصف الطريق دونما أي تدخل من المتواجدين ولو حتى برفع صوته مطالبا الخاطفين بالتوقف !
وبعد عدة ساعات من الحادثة يذهب مرسال للأهل طالباً فدية لاسترجاع الفتاة, فيرمي أحدهم التهمة على الرجال المخطوفين سابقاَ بأنهم السبب “هما مالهم خاطفين واحدة ولا مش خاطفينها أهم خطفوا البنت !”. وكأن شهامتهم ورجولتهم أصبحت جريمة يعاقب عليها المجتمع وأصبح ” أن ملناش دعوة يا محي” هو الصواب وكأن محي يجب ألا يتدخل إلا في الشئون الخاصة بالناس (مين اتجوز – خلفوا ولا لسة – بنى البيت بكام – بيقبض على قلبه اكوام ), ولكن لا يحق له التدخل في الدفاع عن حياتهم وأعراضهم فهي أشياء بسيطة تعوض بفدية!
وليست هذه الحوادث العابرة فريدة من نوعها فخلال الفترة الأخيرة وفي الغياب الأمني الملحوظ والمقصود غالباً عقاباً للشعب على تطاوله على الأجهزة الأمنية حدثت الكثير من القصص المشابهة من عمليات سرقة وخطف وتحرش وتثبيت بأسلحة بيضاء في منتصف الطرقات بلا حراك من الشرطة الرافعة لشعار “الشرطة في خدمة الشعب ” أو الشعب الرافع لشعار “الجدعنة بتجري في دمنا” !
لا أعلم أي طريق مسدود تسير إليه أخلاقنا, ولا أعلم أي مصير ينتظر الأجيال القادمة في ظل الغياب الأمني والغياب الإنساني , ولا أعلم أي ركيزة سنرتكز عليها في الأيام القادمة لبناء وطن أصبح “ماشي ببركة الله” وطن أصبح فيه الأمن والأمان من المطالب المفقودة وطن مفكك حتى النخاع, ولا أعلم كيف ستسير حركة العلم والعمل والحياة برمتها في ظل هذا الغياب, كيف نأمن على أولادنا وأنفسنا وحياتنا ونسير في حياتنا ونقوم بواجباتنا في ظل اللاأمن واللاأمان واللاوفاق واللاتقبل, كيف نحيا في وطن تُنتهك فيه الأعراض والأرواح بلا حساب أو عقاب, وطن تُنهش فيه الإنسانيات بلا رادع أخلاقي أو ديني أو قانوني, وطن كالغابة لكل مفترس فريسته والبقاء للأقوى, وطن تبحث فيها المسئولية عن مسئول وتبحث فيه الرعية عن حامي لها, فلا حامي يقوم بواجبه ولا مسئول يسأل ولا مقصر يُساءل ولا فاسد يعاقب, وطن على جمر من نار إذا اشتعل أحرق الجميع.