امرأة هي مؤنث من اسم امرؤ، فالكلمة كمال للمعنى وتوضيح للمفردة اللغوية الصحيحة، ومشتقة من مادة مرأ يمرأ ، مراءة ، فهو مريء
مرأ الطعام : كان سائغا مقبولا ، سهل في الحلق ، وحمدت عاقبته يمرأ الطعام عند هدوء النفس – هنأني ومرأني الطعام، هكذا تقول المعاجم اللغوية، وكأنها مثالٌ للهناء والقبول، لا النفور ولا النشوز، ولم توصف بأي منطق آخر على هذا النحو بأنها النصف.
تلك الفكرة الشائعة التي جعلت قضية كبرى ومعركةً مستمرة بين جنسي بني آدم على الأرض، فما كانت كلمة “نصف المجتمع” سوى أكذوبة، ونحن إذ نتحدث هنا ينبري لنا أنَّ المرأة عنصرًا فعَّالاً جدًا في المجتمع والحياة بأكملها هي إنسان بصفات النعومة والأنوثة التي فُطِرَت عليها، ولا عيب ولا ضير في ذلك. أنت حين تختار أعواد الخلِّ تختار منها اللين المرن، لا الجامد الصلب فتنظف الأسنان دون أن تضرها أو تجرح لثتك، وكذلك المرأة نقيض الشدة، فهي نبع من الرحمة والعاطفة..
يخرج علينا في هذه الأيام ومن قبلها بزمنٍ بعيد من يقللون أو بمعنى أدقّ يصدِّرون لنا صورة ذهنية عن مكانة وطبيعة المرأة، بأنها عبء أو عورة أو غير ذلك من الصفات غير المُستساغة في عقول الكثيرين، وبخاصة مع تطور الحياة وإثبات هذا العنصر الأنثوي مكانته في مجالات كبرى، وذلك إذا نظرنا إلى الأمر نظرة ضيقة، أما على مجال أوسع فالعرض يطول، ويتأتَّى دورُ هذا المقال المطروح في التعرض بتجنب التفليدية لفكرة المرأة “عورة” في هذه الدنيا.
إمرأة .. أم .. أخت .. حبيبة .. إبنة
أمٌّ تحتويك منذ ولادتك ومن قبلها في قرارٍ مكين.. تعلمُك نطق الكلمات، لا ومن قبلها تعطيك من الجسد قواه، ئؤمن بك إيمانًا لا حدَّ له، تشجعك بيقينها بأنك مبعوث المحبّة والانتصار والاستمرار لهذا العالم، فتقف وتقول ها أنا ذا..
أخت تميِّزك بالرجولة، تكون حاميها فتتدرب في بداية حياتك كيف تكون مسئولاً فيما بعد؟، وكيف تكون رجلاً في حِماك أنثى يشتد عضدُها بك؟ ..
حبيبةٌ تقابلُك تحوِّل قلبك من جموده وثَباته وسُبَاته، إلى حركة نشطة نشيطة، تشاركك دورك الفعّال في الدنيا، فلا تظل فردًا ولا تبقى وحيدًا، فتكمل لك نصف دينك، وتكمل لك نصف روحك فتصير نصفًا يكمِّل لك مانقص من وفي دنياك.
ابنة.. تنير حياتك، يرق قلبك لأوّلِ صرخة تطلقها يوم الميلاد، فيتحوّل قلبك إلى طور جديد، فمن بعد عاشق حبيب، تكون معشوقًا أولاً، وأبًا متيمًا..
كلُّهن “امرأة” يا “امرؤ”
عاطفتك..
حين تطرق باب عقلك منظومة شعرية، كي يتهيأ لك ولكلماتك جوًا رومانسيًا بديعًا أول ما يجول بخاطرك “امرأة”، لا أتكلم عن الجمال أو المظهر، بل أتكلّمُ عن دلال يتسلل إلى جنبات القلب الدقَّاق، تتدفق مشاعر وأحاسيس حُرّة متحررة عن تلك الجمادات الصلبة المتجمِّدة، فتغزو بالكلمات الراقصة القلوب الحزينة.
حين تدخل معركة الحب، تكون امرأة أمامك ونصب عينيك، تكرُّ وتفرُّ وتتباريا معًا في ساحة العاطفة الجيَّاشة، ثم تعلِن بكل سعادة وقليك يقفز فرحًا بأنك استسلمت، لتعلن بعدها رايتها على قلبك تحتل فيه كل الأمكنة والربوع، ليكون مشهدًا سعيدًا يضيف إلى الدنيا من رصيد العاطفة.
وبهذا استحقت حنانك، وعاطفتك، صغيرًا او كبيرًا أو كهلاً، أليس كذلك يا “امرؤ”؟
ناقصات عقل ودين..
من قال أنها النصف؟ بل هي أم العقل وكماله وحكمته.. أُطروحة خائبة أُطلقت علينا فعذبت الأفئدة، وتندّر الناس بحديث مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، أنهن “ناقصات عقل ودين”، وبُناءًا على طرح غير دقيق أفتى وحلل البعض النص على أنه نقصان المرأة في مكانتها، واقتصار عملها على تربية الأبناء فقط، مع احترامنا الكامل لدورها في التربية، فامهاتنا هن اللواتي أخرجنا لهذه الحياة رجالاً ونساءًا نكمل المسير، ولكن البعض أخذ الكلمة على سبيل غير السبيل الذي يستوجب النظر فيه.. فاعتمد البعض من الذين حاولوا تطوير عقولهم إلى كونها كائنًا في مرتبة ثانية بعد الرجل، وحقيقة الأمر لا يجد الناظر في هذه المسألة حكمة ولا يهتدي إلى تفسير منطقي..
امرأة .. وأقصد ان اكتب الكلمة بصيغة النكرة- ليس تحقيرًا وإنما جمعًا وشمولاً لماهية اللفظة والدلالة عليها – لبيان دورها الحقيقي كلمةً ومعنى.. فلا يتشدق المتشدقون وأصحاب الأفكار الخربة التي لا تتحرك ولا تقبل حتى النقاش..
من أشارت على نبيِّنا أن يحلق رأسه وينحر، فتبعه الصحابة يوم الحُديبية؟، من أوّل من آمنت في العالم به؟، من تحمّلَّت آلام ومشقة نقل الطعام عبر الصحراء حتى تصل إلى الغار؟ .. أليست امرأة يا “امرؤ”؟
هي الكل وكل الكل، النقص في الدين وما يتبعه في التفسيرات، ليس نقص غرضه العيب أو الإبعاد أو الإقصاء، ولكنه نقص غرضه الاكتمال، كمن قصّ شعره وقصَّر وحلق الرأس كاملة لاكتمال مراسم الحج أو العمرة، حتى يُقبَل سعيه، طاعة لإله عليٍّ قدير أمر الناس بعبادته، فأطاعوه “من عمل صالحًا من ذكرٍ أو أُنثى فلنحيينه حياةً طيبة”.
ناموس اللهِ في خلقه يحاسبهم دون تفرقه، ويجزيهم النعم دون تفرقة، لا مُحاباة، حاشاه أن يكون، يعطي لكلٍ حليلته فيسعون في نماء الأرض وإعمارها ويسعدون برضا من المولى ورضا من النفس، فلا يحلو العيش ولا تطيب الحياة بدون أحد العنصرين.
المرأة .. حوَّاء ..حبُّ آدم الذي اقتسم معها رغد الجنَّة وعذوبة العيش، وكذلك لوعة الندم على ذنب الأكل من شجرة الخُلد، نفس الطبيعة لا ينقصها شيء..
المرأة .. مرآة الفحولة كي ترى المحاسن المكمِّلة المكتملة .. احتواؤك الذي يثبت لك أن بالكون حياة تدب فيها روح الألفة والعاطفة.. يا امروء .. إن تكُ مُكرمُها كنت الكريم الأمين.. وإن أهنتها لُعنتَ أبد الآبدين..
“ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم”
المرأة حُسنٌ لا ينتهي إن قدَّرت قيمته.. وحُزن لا ينجلي إن أسات إليه.. يا امرؤ.