عبدالرحمن عبد النبي يكتب …..القناص الأمريكي..American sniper

لا أدري ما هي بالضبط تلك البوصلة التي تحدد مسار واتجاه ذلك العقل الأمريكي، أو ما هو العنوان الذي يتقدم فكر هؤلاء الأمريكان!، أهو العلم القائم على الحقائق والبراهين والأسباب..أم الخرافات والتي تقوم على افتراضات وتخيلات ليس لها أي علاقة بذلك الواقع المرير..فهذا فيلم لا أعرف ما الذي ساقني إليه -والمسمى بالقناص الأمريكي- إلا أنني لم أخرج منه إلا وقد عزمت على كتابة هذا المقال، هو فيلم يتحدث باختصار عن الإرهاب الحادث في أمريكا على وجه التحديد، ومدى تأثر بطل الفيلم ‘برادلي كوبر’ bradley cooper, بتلك التفجيرات والتي يروح ضحيتها دائماً أبناء شعبه من الأمريكيين ومن هنا أخذته الحمية وذهب للتطوع في الجيش الأمريكي، وكان يتميز بنظره الحاد واقتناصه لأي شيء متحرك بشكل مُلفت، ومن هنا أصبح قناص الجيش الأمريكي الأول بالعراق، والتي ذهب إليها لينتقم من هؤلاء الذين يفجرون ويقتلون فيهم ليل نهار، وهناك أثبت جدارته بكل كفاءه وإتقان، وكاد أن يخسر عائلته للأبد بسبب تلك الحرب التي لا تنتهي من وجهة نظر زوجته، وعندما كانت تسأله راجية باكيةً إياه، ما يجعلك تذهب بعيداً دائماً عنا إلى المجهول ونحن هنا عائلتك في أمس الحاجة إليك، فكان يرد بكل ثقة واعتزاز بأنني أحميكم من هؤلاءالإرهابيين بذهابي إلى العراق..
ولكي نفهم ونعي ذلك الفكر الغريب الأطوار، يجب علينا أولاً أن نفهم بعض المصطلحات والتي من شأنها أن تساعدنا على فهم ما عجز العقل عن تفسيره بشكل سهل ومبسط..”المعلوماتية والفوتوغرافية” وتعني بأن المعلومة كيان مهم في حد ذاته ليس لأنها لها علاقة بالموضوع الكلي أو بنمط متكرر، ولذا يصبح هم المؤلف بأن يحشد أكبر قدر ممكن من المعلومات بغض النظر عن عدم ترابطها وعدم وجود بؤرة مركزية لها..ومن ذلك المصطلح يمكننا بشكل أقرب أن نفهم ما هذا الهراء واللبخ في طريقة عرض مثل هذا الفيلم، ولنزداد قرباً من فهم ما قد وصلوا إليه من فكر لا يُفهم هكذا بالعين المجردة، مصطلحان يوضحان ما أريد الوصل إليه، وهما ‘الواقعية والوقائعية’، فالواقعية: هي أن تصل إلى جوهر الواقع(الماضي المستقبل الحاضر) ومن خلال ذلك يمكن الربط ما بين الوقائع كلها بل وربطها جميعاً بمعنى عام من خلال تسلسل جميع الوقائع أسفلها، أما الوقائعية: فهي مرتبطة بالحاضر وفقط، فهي عملية رصد مباشر للأمر الواقع وحسب..ومن هنا نخرج باستنتاجات هامة للغاية وهو أن مثل تلك الأفلام وما تحويها من معلومات هي بالفعل صحيحة وموجودة في حاضرنا الذي نعيشة -فهناك بالفعل تفجير حدث لبرج التجارة العالمي، وهناك ما يسمى بتنظيم القاعدة وهو تنظيم يقوم بعمليات إرهابية هنا وهناك..
وهنا ما يسمى بمصعب الزرقاوي زعيم القاعدة بالعراق- ومن هنا تأتي الخديعة والتأثير على جموع المشاهدين بتلك المعلومات التي رصدت الواقع بشكل دقيق..ولكن إذا ما ربطنا تلك الأحداث ببعضها البعض، فما علاقة تفجير برج التجارة العالمي في نيويورك باحتلال وضرب العراق!، وكيف للمخرج بأن يصور بأن الأم التي تعطي ولدها الطفل تلك القنبلة اليدوية ليرميها على الجنود الأمريكان والذين يقفون على مقربة من منزلة وداخل وطنه بأنه هو المجرم الإرهابي وبأن القناص الأمريكي والذي قد اصطاده بمهارة بالغة هو البطل الحقيقي..ولكن هذا منظور الواقعية وليس الوقائعية..أما من منظور الوقائعية فهذا شيء عادي..فهؤلاء جنود مسالمين وكأنهم هم الجيش الوطني للعراق، وهو الحامي لذلك الشعب المتمرد على النعمة، وهذا طفل مؤذي يريد الفتك بهم، ولذلك من الطبيعي أن يأخذ ذلك الجزاء العادل وهو القتل..تحليل فرغ كل شيء من مضمونه، تحليل جعل من كل شيء منفصل بذاته عن الآخر..وهذا أسلوب من خلاله يجعل كل شيء مباح، فهنا يتساوى القاتل والمقتول والمُستعمِر والمُستعمَر والجاني والمجني عليه..وفي رأي أن مثل تلك الأفلام تُعرض من أجل الشعب الأمريكي الساذج والطيب لإقناعه، أكثر من كونه فيلم لإقناع الشعوب الأخرى المعادية لهم، وهذا لأن الحرب على العراق قد كلفت الشعب الأمريكي الكثير والكثير، ومما يزيد من الأمر سخرية، ذلك الصحفي الأمريكي الذي كان يحكي للكاتب الجليل عبدالوهاب المسيري-والذي قد استقيت من كتابه ‘السيرة الذاتية’ تلك المصطلحات التي سهلت عليَّ فهم ما أحاول أن أُصلهُ إليكم في ذلك المقال- حينما ذهب إلى العراق ضمن فوج من الصحفيين..
وجد أن الجنود الأمريكان لا يعرفون أي شيء عن الأرض التي نزلوا بها-العراق- فكان البعض يسأل؛ أين هي القاهرة!، والبعض الآخر تعجب من عدم وجود مطاعم الماكدونالز..والآخر يسأل متعجباً من أنه لا يرى فتيات ليصاحبن الجنود في ذلك البلد الغريب بالنسبة لهم!، ناهيك أصلاً عن أن أعضاء الكونجرس الأمريكي لا يفرقون كثيراً ما بين كلمة العراق وإيران، وذلك لوجود تشابه كبير ما بين الكلمتين بالإنجليزية ‘iraq..iran’، وهذا ان دل فإنما يدل على فقر شديد حتى في عملية الرصد للواقع، ولذلك فهو شيء أقرب إلى أن يسمى ‘بالعشوائية المعلوماتية’..وهذا ينبهنا نحن العرب لشيء هام، وهو أن لا نأخذ كل شيء من الغرب -ممن هم متقدمون عنا بفارق مذهل في عالم المادة- وكأنه ذلك الكلام المُنزل من الله ولا تعديل عليه، وإنما يجب أن نمرره أولاً على عقولنا التي حبانا الله بها ومن ثم نحكم ونقرر على ما تراهُ أعيننا وتسمعه أذاننا..والأمر الثاني هو بأن نعرف ماضينا جيداً لكي نفهم ما يحدث لنا في حاضرنا ونتوقع ما سيحدث لنا في مستقبلنا..فالإنسان الذي لا ماضي له ليس له من حاضره إلا ما يُملى عليه من غيره وبالتالي سوف يتم التوقع له مسبقاً بما سيكون من غيره أيضاً..!
ع.ع



