منتدي أوراق عربية

بنت بياعة الخضرة …. رباب طلعت – خاص لأوراق عربية

بعد العديد من المحاولات العلاجية الفاشلة لعدة أطباء غير محترفين كلاً منهم يضع لقب “دكتور” قبل اسمه المنقوش على يافطة كبيرة أمام عيادته الخاصة التي تعج بالزوار رغم الغلو الواضح في “سعر الكشف” الخاص به , اقترحت عليَّ أحدى صديقاتي الذهاب لطبيبة شابة تخصص غرفة للكشف في بيت أهلها البسيط والتي شهد لها الكثير بالمهارة الطبية فضلاً عن أخلاقها الرفيعة, ذهبت مع إحدى قريباتي لها, وقبيل الدخول إلى العيادة همست في أذني ” انتي عارفة الدكتورة  دي أمها بياعة خضرة ” صمتُّ قليلاً لعدم استيعابي للإشارة المرادة من المعلومة الملقاة على مسامعي وبعد لحظات التفتت إليها مرددة ” النبي الكريم كان راعي غنم” وفي محاولة منها لتبرير موقفها ردت مدافعة ” أه طبعا دي حاجة تشرفها هي وأخواتها ماخواتها كلهم دكاترة زيها”, أكملت السير وصعدت على سلم صغير إلى بيت الطبيبة الفاضلة فقابلتنا أمها العظيمة “بياعة الخضرة” بكل حب واحترام وأغرقتنا بسيل من الدعوات الطاهرة التي لا تعيها إلا قلوب محبة لله , وأخذت ثمن الكشف عشرين جنيهاً بعد اصرار مني على عدم قبول الحاحها بالرفض , واستقبلتني ابنتها الطبيبة في كل تواضع وفخر ببيت أمها وأمها “بياعة الخضار”.

وبعد هذا الموقف والعديد من المواقف الأخرى المشابهة له التي تظهر فيها العنصرية المقززة والمترسخة في طبقات المجتمع المختلفة اتسائل يومياً هل بالفعل ننتمي لأديان سماوية تدعوا للفضيلة والمساواة والمحبة والإيخاء ؟ هل دياناتنا السماوية مترسخة فينا أم أنها مجرد خانة من خانات تعريف الهوية؟ كما أن السؤال الأهم والذي لا يفارقني في نومي ويقظتي أليس للفقراء حق الحياة ؟ أليسوا بشراً مثلنا , أليسو هم العظماء , أليس منهم من صنع التاريخ , ألم يولد منهم العلماء والزعماء والرياضيين والمشاهير؟ والسؤال الذي أسأله اليوم لمرضى العنصرية وستجيب عليه سطوري القادمة هل تعلمون من هم الفقراء ؟ وهل تعرفون أولئك الفقراء؟

في مدرسة فقيرة وقف طفل صغير ابن لأرملة فقيرة وقال سأصبح رئيساً لأكبر دولة في العالم وسخر منه الجميع فأصبح “بيل كلينتون” رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. ومن نفس الطبقة الفقيرة وُلِدَ لأبوان مزارعان ابن فقير فاشل أصبح فيما بعد أبو الوراثة “غريغور يوهان مندل”. وها هم الأطفال الثلاثة “رونالدو” الحمال والبائع المتجول ابن بائعه الخبز القاتن في كوخ صغير في ضواحي ريو دي جانيرو , و”ريفالدو” بائع الجرائد الفقير الذي فقد والده في حادث بعدما قطع معه 20 كيلو متراً سيراَ على الأقدام ليوصله لناديه الذي يمارس فيه رياضته المفضلة  و”رونالدينو” الفقير ابن عاملة التنظيف في أحد المطاعم الفقيرة ينقشون أسمائهم في سماء الكرة العالمية . وكذلك الطفل الصغير الذي توفت أمه فور ولادته وتخلى عنه أبوه عامل الساعات الفقير, فتولى عمه رعايته إلى أن هرب من جنيف ليبحث عن حياته فأصبح أحد أهم فلاسفة القرن الثامن عشر ومُنظر عصر التنوير ” جان جاك روسو” الذي مهدت فلسفته لقيام الثورة الفرنسية وقيام النهضة الأوروبية. ومثله الفيلسوف الصوفي والأديب البارع “أبو حيان التوحيدي” الذي عانى من مرارة الفقر وقسوة عمه الذي تكفل بتربيته. وأقوى أمرأة في العالم عام 2011 المستشارة الألمانية ” أنغيلا ميركل” التي أجبرها الفقر على العمل كنادلة في حانة لتتم تعليمها في الجامعة. وابن المزارع الفقير الذي اضطر للعمل كمزارع مع أبيه في حقول قصب السكر ومن ثم عمل بناء وخباز وعازف على آلة البوق ولاعب كرة قدم ليتم تعليمه فيصبح ” خوان إيفو موراليس ” رئيس بوليفيا.

وليس هم فحسب بل شكل الكثير من ابناء الفقراء التاريخ والعلوم وكان لهم الدور الأكبر في الحياة, فالحياة ليست قصر على ابناء الأغنياء فابناء الفقراء هم الأقوى اصراراً وحرصا على العطاء واثبات الذات. ابناء الفقراء هم النجوم الساطعه في سماء الفقر المظلمة, هم نماذج التحدي والنجاح التي نتغنى بها ونتلوها على مسامع ابنائنا ولكننا نضطهدهم ونحتقرهم في أنفسنا أو ربما تأكلنا نار الغيرة من اصرارهم القوي ونجاحاتهم المتواصلة, ابناء الفقراء هم النبلاء وهم علية القوم بأخلاقهم وانجازاتهم, هم السلاح الأقوى والعامل المضمون لارتقاء الدول , ابناء الفقراء ليسوا عاطلين ومغيبين ومدمنين ومجرمين, ابناء الفقراء أطباء ومعلمين ومهندسين, ابناء الفقراء هم فخر الوطن, وهم صوت الأمم.

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق