لا أهاب الموت ولـكنني أهاب تلك الحياة المليئة بالأموات, لا أتذكر آخر يوم مر عليّ دونما سماع خبر موت أحدهم , تحولت الحياة لقبر فتح أحضانه على مصراعيه يستقبل أبدان عشرات الموتى كل يوم, تخيلت للحظة ما أنني تصالحت مع فكرة الموت فما عادت دقات قلبي تتسارع عند سماع خبر موت أحدهم وما عادت ظلمة القبر تخيفني كما كانت من قبل , ولكني وجدت نفسي أدخل في متاهات الخوف من أن أحيا في وطن هو أقرب إلى المقبرة الجماعية , فأبناءه ما بين أموات يدفنون تحت الأرض وأنصاف أحياء فوق الأرض يستنشقون الموت ويبغضون الحياة, فالأحياء على أرضه ليسوا بأحياء فهم يصارعون الموت كل يوم ويحاصرهم الموت من كل اتجاه, فما عادت صورة الموت في ذهني كما كانت في طفولتي, مات الجد ولحقته الجدة ومن ثم أقرنائهم, فملك الموت لا يصحب معه غير أولئك الذين أنهكتهم الحياة ورسمت قسوتها تجاعيد وجوههم, يصطحبهم معه بعدما أتموا رسالتهم في الحياة ليحيوا حياة أخرى خالدة لا مرض فيها ولا اضطرابات نوم ولا أوامر أطباء منهكة , أصبحت صورة الموت الآن لي كروتين يومي شاق فرض علينا و نتمنى التخلص منه ولو ليوم واحد فقط.
صرت أستقبل الشمس كصفارة إنذار تعلن عن قدوم توابيت الساقطين في الحرب الكبرى حرب الحياة في موطننا المتهالكة أركانه والمتآكلة كل أضلاعه بفعل الفساد والإهمال والتضليل والتطبيل, أنظر من نافذتي صباحاً لأرى أفواج من الأطفال المسلوبة طفولتهم يسيرون لأقدارهم وأسارع لالتقاط صورهم في ذاكرتي لعلي أرى أحدهم اليوم لآخر مرة, فسبل الموت كثيرة ولا أعلم في أي سبيل اليوم هم سائرون, تباغتني أفكاري وتتساءل هل سيموتون اليوم في أحد حوادث الطرق المتهالكة, أم سيموتون تحت أنقاض أحد الصفوف المنتهية الصلاحية, هل سيشرب احدهم ماء ملوث , أم ستسقيه أمه دواء فيه سم قاتل, هل سيفاجئهم أحد المجرمين ليخطف أحدهم ويقتله لتحيى أعضاءه في جسد أحدهم, أم سيكون مصيره بين يدي أحد الذئاب البشرية التي تتغذى على الأعراض, أم أنه سيكون ضحية لمعلم تجرد من الإنسانية وتجاهل طفولته وأخرج عليه جرعة الغضب المختزنة بداخله من حياته التعسة , أم سيموتون سوياً في تفجير إرهابي ينتهك حرمة الروح الإنسانية , فلا أجد إجابة غير الانتظار فسؤال الساعة خبر عاجل بعد حين .
أتخلص من زوبعة قلقي عليهم لتبدأ سلسلة أخرى من الأسئلة كيف سيكون مصيري اليوم هل سأنجو كيوم أمس وأقضي يوم آخر في وطن الموت أم أن أجلي قادم بعد دقائق على أحد صور الموت المختلفة والمتجددة كل يوم, وأتمنى دائماً الثانية فالموت أفضل بكثير من أن أحيا بنصف روح , بأن أصبح بنصف روح.
أهمس لنفسي دائما بأن ما نحياه الآن هو الإجابة على سؤال طفولتي كيف يحيا الناس في فلسطين وكيف يعيشون, يأكلون ويشربون ويتزوجون وينجبون أطفالَاً يهبوهم للموت, هل أحبوا الموت أم اعتادوا عليه أم أنهم ألفوه أم أنهم يتغلبون عليه كل يوم بأن يمارسوا طقوس الحياة, فالحياة هناك تحت أهوال الاحتلال لا تختلف كثيراً عما أصبحت مصر وسوريا والعراق وغيرهم من دول الوطن العربي الثائرة فيه , فهنا موت وهناك موت وهنا احتلال وهناك احتلال.
فإن كان احتلالهم من عدو غاشم يدنس المقدسات ويخضب الأرض بدماء الأطفال , فاحتلالنا هو فساد غاشم يقتل الضمائر ويبرر الأخطاء, إن كان عدوهم عدو ظاهر له جسد وكيان فنحن عدونا أشد قسوة وخطراً لأنه يتجسد فينا وفي نفوسنا المريضة الشامتة بالموت, والمبررة لفساد المسئولين في كل عصر, المسئولين المختبئون وراء ستار الإعلام المضلل والمهلل لهم , ستار الإعلام الرافع لانجازاتهم المزيفة والمزين لأخطائهم القاتلة , الإعلام المسيطر على عقولنا والمغير لفطرتنا البشرية الرافضة للظلم والموت والاضطهاد , فطرتنا البشرية الصارخة في وجه الظلم , المطالبة بالقصاص من المسئولين , عدونا هو أنفسنا فنحن المستسلمون لما يتم حشوه في عقولنا من تبريرات تافهة نستقبلها بكل ترحيب ما دمنا راضيين عن أسيادنا الجالسين على كراسي الحكومة البالية الفاشلة العاجزة عن حماية أرواح المواطنين وأعراضهم وممتلكاتهم , الحكومة التي لا تتقن سوى العويل والصراخ وتعليق نكباتها على شماعة الإرهاب العاجزة حتى عن ردعه وعن ردع أسبابه, ولا تتقن سوى سياسة التكتيم والتعتيم والتعويض عن الأرواح بثمن بخس, الحكومة التي لا تتقن حتى أساليب الدفاع المقنعة دفاعاً عن نفسها, الحكومة التي لا تتغير سياساتها ولا تتبدل نكساتها باختلاف فترات الحكم المتتالية على مصر فما كان يحدث في عصر مبارك هو ما حدث في عصر مرسي وهو ما يحدث في عصر السيسي, أرواح تزهق بلا سبب سوى الإهمال والانشغال بالنزاعات السياسية التي تمزق ثوب الوطن , النزاعات التي تنهش أجساد المواطنين وتسقط بنا إلى الهاوية التي لا خروج منها ولا مفر مادامت الأرواح التي تزهق هي أرخص ما يثمن في وطننا وهي أول ما يتلاعب به السياسيون على موائد مصالحهم ويتنازع المواطنون على الإشفاق عليها أو الشماتة فيها تبعاً لما يمليه عليهم موقفهم السياسي.
سيظل الموت يحلق فوق رؤوسنا ليخطف أفضل من فينا مادام العدو يحتل نفوسنا وما دمنا غير قادرين على رفع أصواتنا والمطالبة بمحاكمة كل المسئولين والفاعلين الأساسيين وراء كل حادث إهمال أو حادثة فساد , سيظل الموت ينتقص من إنسانيتنا كل يوم نعلن فيه الحداد على الضحايا بوضع الشارة السوداء البائسة على صفحات التواصل الاجتماعي , سيظل الموت يختبر مواقفنا كل يوم وسنستمر في خذلان الموتى إلى أن نصبح منهم, أو نموت كل يوم ونحن لا نشعر ويحيوا هم عند بارئهم وينظرون إلينا بعين الشفقة والحسرة والندم على موقفهم ممن سبقوهم إلى دار البقاء, فلنقف أمام أنفسنا وقفة عتاب وننفض الغبار عن ضمائرنا الصداة ونقرأ الفاتحة على من ماتوا وعلى من هم أحياء وما هم بأحياء ونرجع لعقولنا رشدها ونصرخ صرخة واحدة في وجه الفساد والفاسدين ونطالب بمحاكمتهم جميعاً ولتقف الحكومة أمام قضاء عادل قبل أن نقف جميعاً أمام القاضي العادل.