رُكن المقالاتمقالات اجتماعيةمنتدي أوراق عربية

حاتم جيرة الله يكتب لأوراق عربية …قانون ساكسونيا وشريعة الغاب

كل شئ يبدو هادئًا في مقر شركة (فهمى الكاشف) رجل الأعمال المعروف، حتى  وهو يلتقى بالصحفى (عادل عيسى) عدوه اللدود، ورغم أن الأخير كان يبدو في حالة يرثى لها شكليًا ونفسيًا ومعنويا، كان التشفى واضحًا في لهجة (الكاشف) وهو يتحدث مع (عادل).

لم يمنع التوتر(عادل) من توجيه سؤاله  ل(الكاشف ): حضرتك شفت صورتك فى الجورنال؟!.

(فهمى الكاشف ) باستغراب : يعنى، ليه؟!

عادل: أصل فيه صورة هتطلع لسيادتك في جورنال بكره مش هتلحق تشوفها.

وسحب (عادل) البلطة التي أخفاها بين الجرائد وهوى بها على رأس (الكاشف)..

على رأس الغول..

ونطق ( فهمى الكاشف) كلمة واحدة أخيرة: مستحيل..

وسقط ليواصل (عادل ) ضربه بالبلطة بمنتهى الغل والكراهية..

و سالت دمائه  لتغرق المكان ..

لقد مات ( فهمى الكاشف) ..

لكن لم تكن السطور الماضية هى كل القصة ، لم تكن  القصة حول نهاية لطاغية من طواغيت ملأوا دنيانا وأفسدوها واستحلوها، لم تكن نهاية شخص تصور أن نفوذه وأمواله ورجاله وفريق  المحامين الأكفاء كفيلين بإعطائه عمرًا مديدًا بلا نهاية، لم يتخيل (الكاشف) أن (غول) مثله سينتهى بضربة قاضية واحدة أو نصل بلطة حادة يحملها صحفي أشبه بالحشرة _حسب تصوره_ سيعلن أن المستحيل قد تحقق.

وانتهى الطاغية ..

انتهى كل شئ..

نظريًا..

وربما بدأ..

أو تتولد من النهايات حكايات وأفكار ..

و قوانين جديدة للعبة جديدة ..

إنها نقطة لنعرف عمن نتحدث؟!، ولماذا؟!، وما الداعى لكل ما يحدث؟ّ!.

ما الذى استدعى حضور ملك الموت ليقتنص ضحية جديدة؟!، وليست ضحية عادية، إنه أبرز رجل أعمال في البلاد.

أغلبكم يعرف هذا الفيلم، من لا يعرف فيلم (الغول) ؟!، قام ببطولته (عادل امام ) _في دور الصحفى (عادل عيسى)_ وفريد شوقى (فهمى الكاشف)، ونيللى، وآخرون، الفيلم الذى ضم عبارة من أشهر العبارات التي سمعناها في السينما المصرية (قانون ساكسونيا).


 الفيلم يحكى عن (عادل) الصحفى المطلق من إحدى سيدات المجتمع، ويكتب في باب الفن بإحدى المجلات بعد أن أثارت  كتاباته السياسية الكارهة للأوضاع المائلة سخط الكبار ومن حين لآخر يختلس زيارات لابنته من مطلقته التي تزوجت بنجم مجتمع مثلها، باختصار الفيلم يحكى قصة عادية للغاية حتى الحادثة، حادثة سيارة نتج عنها قيام (نشأت الكاشف ) _ حاتم ذو الفقار_ بقتل (مرسى السويفى)_المزيكاتى_ لأنه تجرأ على الوقوف في وجه  رغبات (نشأت الكاشف) الرخيصة وحرمه من الانفراد براقصة شابة واغتصابها، فيجن جنون (نشأت) ويدهسهما بسيارته مما ينتج عنه مصرع (مرسى ) وإصابة خطيرة للراقصة، كان (عادل عيسى) شاهدًا على خروج الضحايا بصحبة (نشأت) من الكازينو، فيؤكد للشرطة أن من الممكن أن (نشأت ) يعلم الجانى الحقيقى، الذى أنكر بالطبع أي علاقة له بالواقعة ليتصعب الأمر.

وتبدأ معركة (عادل) الشاهد الوحيد ضد أموال (فهمى الكاشف)، وهى معركة سهلة بعض الشئ للكاشف الكبير الذى تكفلت أمواله بإخراس كل الألسنة، وشراء كل الذمم، كم هو سهل أن تتكفل الأموال والنفوذ بإخراس كل أعدائك فقط لأنك تملك الثمن .

زاد الأمر صعوبة أن (فهمى الكاشف) لم يكتف بالدفاع لكن أخذ مبادرة الهجوم، وحينما تكون المبادرة الهجومية في معركة ل(غول) _بمعنى كلمة غول_ يكن هذا كافيًا لسحق أي خصم قوى  مهما كانت قوته، ما بالك والغول يهاجم خصمًا مهلهلًا لا حول له و لا قوة؟!.

اختطف الفتاة المصابة، حطم السيارة التي قادها (نشأت ) أثناء الحادث بصورة بدت قدرية، نجح في اللعب بوتر المال والحاجة الشديدة لأرملة (مرسى السويفى) ليستميلها لصفه ضد (عادل عيسى) الذى تطوع للوقوف بجوارها بشهامة دون أي مقابل.

لأن الكاشف الغول ليس قادرًا على شراء كل أوراق اللعبة، يتقابل (عادل) مع صديق قديم يدعى ( حسين) (صلاح السعدنى) هو  وكيل النيابة الشريف المسئول عن التحقيق في القضية، ولكن كل الطرق تؤدى للاشيء، فشهادة (عادل عيسى) بلا معنى بدون الراقصة المصابة .

كان (عادل ) ساخطًا بشدة على الكاشف وولده، كان يرى فيه دولة للظلم، كان يرى فيه إحياء ” لقانون ساكسونيا” الظالم، ولكلمة ساكسونيا قصة، (ساكسونيا مقاطعة ألمانية تطبق القانون بحذافيره على الفقراء وتتحايل لإنقاذ رقاب الأغنياء والنبلاء وتنفذ الحكم على خيالهم أو ظلالهم ).

ازداد سخطه على الكاشف أكثر حينما علمًا بأن ( شهيرة) المذيعة المشهورة (نيللى) من نساء الكاشف، كان يحبها، لكن حبه لن يصنع شيئًا أمام الكاشف وأمواله قبل أن يكتشف فيما بعد أن (شهيرة) ابنة في السر ل(فهمى الكاشف) وإنها تبادل حبه حبًا، لكنه حب مستحيل فهو ووالدها في عداء لن ينتهى. 

وبعد شد وجذب ولقاء بين (الكاشف) و(عادل) يؤكد شكوك الأخير في مسئولية (الغول) عن اختطاف الراقصة ويتبعه اعتداء رجال الكاشف على (عادل)، يقرر(عادل) القيام بمغامرة انتحارية  وينجح في اختطاف الشاهدة الوحيدة المحتجزة في مزرعة الكاشف وساعدته (شهيرة ) خوفًا من أن يقوم والدها بقتل الراقصة إن ساءت الأمور، وتبدو كل الأمور في طريقها لنهاية عادلة، لكن ينجح طاقم محامين الكاشف (بسرقة) البراءة ل(نشأت) مما يثير غضب (عادل) بشدة ليصرخ مقاطعًا القاضي  قائلًا عبارته الشهيرة أثناء النطق بالحكم (قانون الإجراءات الجنائية وإلا قانون ساكسونيا) لبتم حبسه 24ساعة .

قمة الوجع والألم عندما انتهت جلسة المحاكمة بأرملة (مرسى السويفى) وهى تدعو الله على (عادل) أن ينتقم منه لأنه خرب  بيتها وحرمها من تعويض الكاشف المغرى، اعتقد أن دعوات أرملة (السويفي) أشد ألما من ضربات رجال ( الكاشف )  ولو كنت مكانه لبكيت على من يهادن القاتل الظالم ويفاوض على ثمن الدم، و يدعو على من  بذل كل ما في وسعه لكى يأتى بحق المظلوم و ذويه .

يخرج بعدها وغضبه يتصاعد ضد كل شئ، يلتقى ب(مشيرة) ويعترف بحبه في وقت فقد كل ذرة حب للحياة، كان حبها الصادق خيط النورالوحيد لكنه فقد كل أمل في العدالة وفي الحياة وفي المستقبل .

(فيه قضايا لو لم يستطع القانون الفصل فيها بالحق، لابد أن يكون الفصل فيها بطرق أخرى).

كان الطريق الآخر هو الطريق الذى لم يتبق سواه ،ينتهى الفيلم بمقتل الغول على يد عادل الذى يأس من عدالة في ظل وجود الكاشف وعلاقاته وأمواله ومحاميه، يأس من عدالة القانون، وجد قانون ساكسونيا يتم إحياؤه في عهد آخر و دولة اخرى ،قتل الغول ليثأر لنفسه ول(مرسى السويفى) وللجميع، لم يثأر من (الكاشف) وحده لكنه ثأر من كل رجال (الغول).  

ولكن يبدو أن الرسالة لم تكن كافية لكل من يرى في نفسه فوق القانون، فوق الجميع، لكل من يريدها (ساكسونيا أُخرى) لكل من يريد نفسه نبيلًا سيدًا فوق رقاب العبيد، كان المشهد الأخير بين (حسين ) وكيل النيابة وصديقه المتهم بقتل (الكاشف)، رأى (عادل) أنه أوقف العمل بقانون ساكسونيا لكن وكيل النيابة أكمل بكل أسف: لكنك أعدت لنا قانون الغابة ياصديقي.

يبدو أن بلطة (عادل عيسى ) أعلنت بداية الحرب على زحف احتلال (ساكسونيا) ب(شريعة الغاب) فالبقاء للأقوى ولا مفر من الصراع للبقاء، للأسف أمثال الكاشف هم من أفسدوا طعم الحياة بأموالهم، بنفوذهم، بلغة مصالحهم التي يهون عندها كل شيء حتى لو كانت دماء الأبرياء، أحببت أن أدق جرس إنذار آخر، استقيموا فلن ينجح كل رجال (ساكسونيا) في حربهم على العدالة وكل محاولات استحضار (ساكسونيا) لن تأتى إلا بمزيد من الغاضبين، ومزيدًا من حروب باسم (شريعة الغاب) ستأتى حتمًا بالمزيد من الدماء.

 “استقيموا فبالعدالة الحقيقية نبنى كل شيء”.

مقالات أخري لنفس الكاتب / خاصة لأوراق عربية

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق