منتدي أوراق عربية

جابر القصاص يكتب…. حلم الخلافة الإسلامية.. من “الإخوان المسلمين” إلى “داعش” ج2

 

تحدثنا في المقالة السابقة عن حلم الخلافة الذي يراود تنظيم الإخوان المسلمين، وفشل حتى الآن في تحقيقه، في حين تمكن تنظيم آخر أحدث تاريخًا، وأقل انتشارًا من الإعلان عنه، إلا أنه لم يحصل على أي اعتراف من خارج التنظيم، والحرب دائرة الآن بينه وبين الآخرين، ومنهم الدول الإسلامية نفسها، لكن يجدر الإشارة إلى أن هذا التنظيم استطاع أن يحظى ببعض التعاطف من فئة قليلة من خارج التنظيم، حيث وجدنا على مواقع التواصل الاجتماعي من يدافع عنه، ومن يروج له، فقط لأنه أعلن إقامة الخلافة، رغم أن ممارسات التنظيم نفسه نفرت القطاع الأكبر من المسلمين منه..

إن فكرة الخلافة نفسها هي التي ساهمت في حصول هذا التنظيم – رغم ممارساته الشنيعة – على بعض التعاطف، كما سبق أن أسهمت نفس الفكرة في انتشار تنظيم الإخوان المسلمين في ربوع العالم المسلم، رغم افتقادها للمنهج العقدي الذي تتسم به كل فرقة إسلامية..

وهذا يدعونا لطرح السؤال: عن ماهية الخلافة؟ وعن حكم إقامتها في ميزان الشريعة الإسلامية؟ وهل هناك فرصة  لإقامتها في هذا العصر؟ وما الجدوى التي تعود على المسلمين من إقامتها؟

كلها أسئلة جوهرية، بحاجة إلى تسليط بعض الضوء عليها، وهو ما سنفعله خلال هذه الأسطر بإذن الله..

إن التعريف اللغوي للخلافة هو: ” النّيابة عن الغير إمّا لغيبة المنوب عنه، وإمّا لموته، وإمّا لعجزه، وإمّا لتشريف المستخلف، وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض” [المفردات للراغب الأصفهاني 1/ 294]، يقال: ” خلف فلان فلانًا إذا كان خليفته، يقال: خلفه في قومه خلافة، وفي التنزيل العزيز: {وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي}[الأعراف]، وخلفته أيضًا إذا جئت بعده” [لسان العرب 9/ 83]..

أما التعريف الإصطلاحي لها: هي رئاسة الدولة الإسلامية، وعرّفها البعض بأنها: “رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا، وهي خلافة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة”، وعرّفها ابن خلدون في مقدمته بأنها: “حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية، فهي خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”، ووافقه الماوردي في الأحكام السلطانية، وغيرهما.

فالإمامة والخلافة مصطلحان مترادفان، وإن كان مصطلح الخلاقة أسبق، لكن المعنى يكاد يكون واحدًا، وهو: رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا، أو: هي خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة، إلا أن لفظ الإمامة أعم وأشمل في الإطلاق، فهو يطلق على الرئاسة الكبرى والصغرى معاً، فيقال للخليفة إمام، وكذا يقال لأمير المصر، وقائد الجند وغيرهما من الرؤساء والقادة، ويمكننا القول بأن الخلافة هي الوجه الأمثل، للإمامة الشرعية..

وإذا تقرر أن الخليفة نائب عن الغير في القيام بأمر العباد، فقد اختلف العلماء في من تكون الخلافة عنه على ثلاثة أقوال: الأول: أن تكون الخلافة عن الله تعالى، في القيام بأمر دينه، و الثاني: أن تكون الخلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم في نشر الدين، والقيام بأمره وأمر المسلمين، والثالث: أن تكون الخلافة عن الخليفة السابق له، فيقال: فلان خليفة فلان، واحدًا بعد واحد، والقول الثاني هو الأقرب، والله تعالى أعلى وأعلم

* حكم إقامة الخلافة:-

بالنظر إلى القرآن الكريم لا نجد نصًا صريحاً يظهر حكم إقامة الخلافة أيًّا كان هذا الحكم، إلا أن نصوص السنة النبوية صرحت بوجوبها، كما أن الإجماع انعقد على وجوب إقامة الخلافة، باستثناء أتباع أبي بكر الأصم من المعتزلة، وطائفة من الخوارج تسمى (النجدات).

واستأنس علماء أهل السنة على وجوب إقامتها ببعض آيات من القرآن الكريم غير ظاهرة الدلالة، كقوله تعالى:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}[البقرة: 30]، قال القرطبي في تفسيره (1/ 264):”هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة”.

واستأنسوا كذلك قوله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}[المائدة: 48] والآية التي تليها، حيث تضمنتا الأمر بالحكم بما أنزل الله، وهذا قضاء، والقضاء يستلزم قيام الإمامة، لأن من مهام الخليفة تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين، وإقامة الحدود..

واستأنسوا أيضًا بقول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء: 59]، فالأمر بطاعة أولي الأمر – وهم الأمراء على المشهور – يستلزم الأمر بإقامة ولايتهم، إذ لا طاعة لغير موجود، أو لمن كانت إمامته غير واجبة.

إلا أن هذه النصوص غير صريحة الدلالة كما ذكرنا، لذلك كان الاعتماد على نصوص السنة الصريحة في القول بوجوبها، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم“، رواه مسلم وغيره، وقال ابن تيمية (مجموع الفتاوى 28/ 390):” فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج، والجُمَع، والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة”

وأصرح منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر“، قالوا: فما تأمرنا؟ قال:”فوا ببيعة الأول، فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم” (متفق عليه)، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: r:”من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية” رواه مسلم، والأحاديث النبوية في هذا الباب كثيرة..

ومما يؤكد وجوب الخلافة تصرف الصحابة رضوان الله عليهم عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حين سارعوا لتنصيب خليفة للمسلمين قبل حتى أن يجهزوا النبي صلى الله عليه وسلم لدفنه، فتقديمهم الخلافة على التجهيز والدفن دلّ على وجوبها، علاوة على المناظرة التي جرت بينهم حول هوية الإمام ونسبته في سقيفة بني ساعدة، حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، فلو كان فرض الخلافة غير واجب، لا في قريش ولا في غيرهم، لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم، فما لتنازعكم وجه، ولا فائدة.

ثم إن كثيراً من الواجبات الشرعية كالحج والجهاد والحدود لا تتم إلا بوجود إمام – كما نبّه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله – وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والله الموفق.

وقد اشترط أهل العلم شروطًا فيمن يتولى منصب الخليفة، بعضها شروط لازمة لا تصح بيعة الخليفة إلا إذا تحققت به، وبعضها لازمة عند الاختيار، وتسقط عند الضرورة والتغلب، فالشروط اللازمة في جميع الأحوال هي: الإسلام، والذكورة، والعقل، والبلوغ، فلا تصح إمامة الكافر، ولا المرأة، ولا المجنون الذي زال عقله زوالًا دائمًا لا يُرجى الإفاقة منه، سواء كان دائماً أو متقطعاً تتخلله إفاقة، ولا الصبي الصغير الذي لم يبلغ الحلم لعظم واجبات هذه السلطة، ولأنه مولى عليه، والنظر في أموره إلى غيره، فكيف بأمور الأمة..

وأما الشروط اللازمة عند الاختيار، وتسقط عند الضرورة والاختيار فهي: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، وسلامة الحواس من السمع والبصر واللسان؛ ليصح معها مباشرة ما يدرك بها، وسلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية الدولة وجهاد العدو، والنسب القرشي، أي: أن ينتهي نسبه إلى أحد بطون قريش..

وثمة شرط يدور حوله اختلاف كبير، وهو العدالة على شروطها الجامعة، الاستقامة وصلاح الدين، حيث اختلفوا في مدى صحة بيعة “الفاسق”، هل هي لازمة في جميع الأحوال، أم أنها تسقط عند الضرورة والتغلب، ويتوجب الخروج على الخليفة الفاسق..

وفي كل هذه الشروط مناقشات وكلام يضيق المجال عن ذكره..

وللحديث بقية بإذن الله..

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق