“ما الفرق بين الخطين المتوازيين والمتقاطعين ” بادرني أخي الصغير بالسؤال لعلي اساعده في اتمام واجباته المدرسية أجبته وانهيت معه واجباته وظل السؤال عالقاً في ذهني وتذكرت مقولة لإحدى معلماتي بأن الرياضيات هي أساس الحياة وعماد الكثير من أركان الشريعه فبها يتم حساب الزكاة والميراث والمواقيت وخلافه وتقوم عليها الكثير من العلوم الأخرى بل هي أساس كل العلوم الأخرى ولقد نبغ فيها العرب والمسلمون في العصور الأولى وكانوا من أهم مؤسسي علم الرياضيات ومنهم الخوارزمي والطوسي والبيروني وغيرهم وأن أقدم كتب الرياضيات هو ” قرطاس أحمس أو بردية رايند” والذي يعتبر المصدر الرئيسي لعلم الرياضيات عند الفراعنة ومن بعده “بردية موسكو” .
ولعل نقطة الالتقاء (التقاطع) بين الحضارتين الفرعونية والإسلامية هي أرض الكنانة (مصر) , وبفضل ذلك التقاطع احتلت مصر مكانة عظيمة في التاريخ كما احتلتها في الأديان السماوية , فمصر مهبط الأديان ونبراس الزمان في العلوم المختلفة علمياً وأدبياً ولا يخلو زمان بدون بصمة مصرية في أحد بحار العلوم المختلفة , وذلك بفضل التقاطع الحضاري في مصر والجينات الثقافية والعلمية المتوارثة عبر الأزمان , ولكن لعل الأثار الايجابية لذلك التقاطع انحسرت إلى حد كبير مؤخرا إلى أن حل محلها توازي ضاغط على أضلع الدولة هشم فيها أجمل ما توارثته الأجيال المصرية عبر السنوات وهي الوحدة الوطنية .
منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير والتي وصلت فيها مصر إلى ذروة الاتحاد الوطني ورسم الثوار صورة المجتمع الأفلاطوني الفاضل الذي لا تشوبه شائبة تناحر أو كره أو فرقة , فنسج ميدان التحرير أروع الصور في التناغم بين الاختلافات الفكرية والعقائدية وأحيا الروح المصرية بموروثاتها الأخلاقية والوطنية وايقظ مارد الحرية المسلوبة منذ سنوات ولكن المارد تمرد فلم يكن المارد الخارج من ” فانوس اسماعيل يس ” أو “مصباح علاء الدين” والذي إذا ما طُلِب لبى النداء وحقق الأمنيات , فذلك المارد الخارج من تحت أنقاض السنوات الغابرة كان مارد محمل بأمراض دفينه من الجهل والتعصب والكره , فنفث في القلوب المتحابة سموم الاتهامات والتخوين والفرقة والنزعه ونشر الفتن وعدم تقبل الآخر, فصار خط الأمس المستقيم الخط المشرق والحالم بالبناء والتغير خطان متوازيان لا يلتقيان في نقطة.
تباعدت القلوب فعلت الأصوات وضعفت الحجة وزاد الخلاف والهدف واحد (مصر) , مصر التي ضل فيها مارد الحرية طريقه فصنع أصنام عبدها وتبعها وخان عهده مع من أخرجوه من المصباح فكان له تأثير سحرة فرعون , ففرق الأخوة وباعد قلوب الأحبة وأُغلقت أبواب الجيران وقطعت الأرحام وخاصم الأب ابنه وطلق المرء زوجته , فأصبح من ليس معي فهو معهم ومن معهم فهو ضدي , وكأننا لسنا بأبناء وطن واحد خرجنا من نفس نقطة البداية وخلقنا من ذات الأرض , فبعد أن كان كابوس الفرقه المبتدع من السلطة يهدد صفو الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط , أصبحت الفرقة تهدد أفراد البيت الواحد كلاً حسب انتماءه وكلاً حسب من يتبع, وأصبح الحق ضائع والأرواح التي تتمثل عظمة الخالق فيها تزهق من كل الأطراف وتعلوا الأصوات بتبرير الدماء مادامت مخالفة لي وأصبح حق الحياة حق يحارب المرء من أجل الحصول عليه وأصبح الاختلاف في الرأي جريمة يعاقب مقترفها بالقتل , فأنتقمت الديكتاتورية المقيتة التي انتفض عليها الشعب من الشعب بأن احتلت نفوسهم وجرت في عروقهم مجرى الدم , فقضينا على الديكتاتورية السلطوية لندخل في دوامات الديكتاتورية الفردية وأصبح الشعب سيل من الديكتاتوريين التابعين لأصنام نحتوها بجهلهم وقدسوها بفسادهم فساروا في خطين متوازيين لا يلتقيان وبينهما ربيع مصر يتحدى نواميس الكون فتتساقط فيه الأوراق الخضراء بدلاً من أن تزدهر وتقام جنة الله في أرضه (مصر) بسواعد ربيعها الفتي , وأصبحت تتساقط مع أوراقه الخضراء أنسانيتنا وأخلاقنا وحرياتنا وديننا ووحدتنا ومحبتنا وأصبحنا بين خطين متوازيين لا يلتقيان في نقطة (مصر) .
تمرد المارد علينا ونجح في تفرقتنا ولكن هل سيستمر نجاحه , هل سنظل مستسلمين لضياع ثورتنا وثروتنا أم سنثور على أمراض قلوبنا التي نفثها المارد فينا لننقذ وطننا وتاريخنا ووحدتنا وأرواحنا وأنسانيتنا ونتحد ونلتحم ونتقاطع في نقطة (مصر) ؟