فتوى برهامي… بين القواعد الشرعية.. والمزايدات السياسية..

كتب … جابر القصاص
في ظل الأوضاع التي تشهدها البلاد، وحالة الانقسام الحادة بين فئات الشعب وطوائفه المختلفة، وحالة الاحتقان الشديدة التي تمكنت من نفوس الجماهير تجاه بعضها البعض، وتجاه المؤسسات الرسمية، والتيارات الفكرية المتنوعة.. تخرج علينا بين الفينة والفينة فتوى مثيرة للجدل.. وكالعادة يتناولها الجميع العالم وغير العالم، وكالعادة أيضاً يتم إخضاعها للأهواء والتوجهات السياسية، واستغلالها للطعن في شخص أو في فصيل بعينه..
وفتوى الشيخ ياسر برهامي – نائب رئيس الدعوة السلفية بالإسكندرية – والقيادي البارز بحزب النور حول حفظ النفس والعرض أبرز نموذج لهذا الذي نتحدث عنه..
وفي خلال هذه الأسطر سوف نتناول هذه الفتوى من المنظور الشرعي، بعيداً عن التوجهات والمزايدات السياسية، وسوف نعرضها على قواعد الشريعة بعيداً عن الحسابات السياسية والتنظيمية، والله المستعان..
أولاً: نص الفتوى نقلاً عن موقع أنا السلفي التابع للدعوة السلفية:-
السؤال- : سمعتُ حضرتك تستدل بقصة إبراهيم -عليه السلام- المشهورة مع الملك الظالم على عدم وجوب الدفاع عن العرض إذا كان الإنسان يغلب على ظنه أنه سيُقتل وتؤخذ زوجته أو ابنته؛ لأن في هذا مفسدتين، وفي فتوى سابقة قرأتُ لحضرتك أنك قلتَ في الدفاع عن المال: إنه إذا علم أنه سيقتل إن لم يعطِ اللصوص ماله فلا يجوز له أن يقاتلهم أو يقاومهم، بل يجب أن يسلم لهم المال حتى لا يُقتَل… والسؤال: هل كذلك تقول حضرتك في العرض أن مَن علِم أنه يقتل وتغتصب زوجته أيضًا فيجب عليه ألا يقاتلهم أو يقاوم المجرمين؟ 2- ما الحكم لو كان الإنسان إذا دافع عن عرضه يعلم أنه مقتول لا محالة، لكنه سيحفظ عرض زوجته أو ابنته بقتل نفسه على أيدي المجرمين؟ فهل في هذه الحالة يكون قتاله لهم واجبًا عليه أم هذا يعتبر إكراهًا أو عذرًا في عدم الوجوب؟
الجواب : ((الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
– فالنقل الذي اعتمدتُه في الإجابة المذكورة هو كلام الإمام العز بن عبد السلام -رحمه الله- في كتابه: “قواعد الأحكام في مصالح الأنام”، وهو إنما ذكر وجوب تقديم المال لحفظ النفس، ولم يتعرض لمسألة العرض، ولكن مقتضى كلامه ذلك أيضًا؛ ولكن انتبه أن هذا الأمر إنما هو في حالة واحدة، وهي العلم بقتله وأن تغتصب، وأما مع احتمال الدفع؛ فقد وجب الدفع بلا خلاف.
– هو في هذه الحالة مكره، وسقط عنه الوجوب على مقتضى كلام العز بن عبد السلام -رحمه الله- وغيره، ولكن نعيد التنبيه أنه مع احتمال الدفع يجب الدفع، مع أن صورتك في السؤال صورة ذهنية مجردة؛ إذ كيف يكون غرضهم اغتصابها ثم إذا قتلوه لم يغتصبوها؟))
ثانياً: رد صاحب الفتوى على ما أثير حولها من جدل (لنلحقه بالفتوى الرئيسية كفرع لها) نقلاً عن جريدة الوطن:-
– ((إن هناك تعمّدًا في تشويه الفتوى التي نشرها على موقع “أنا السلفي” التابع للدعوة السلفية، وقال برهامي، لـلوطن: “يجب الدفع عن العرض حال احتمال الدفع، وهذا الذي دل عليه الحديث (من قُتل دون عرضه فهو شهيد)، أما إذا كانت الحالة أنه يقتل وتغتصب زوجته فلا يجب عليه الدفع في هذه الحالة لأن تخفيف إحدى المصيبتين أولى من جمعهما عليه”. وأضاف: “سيدنا إبراهيم لما جاء إلى مصر، وطلب الجبار امرأته سارة فقال إنها أختي، ويقصد أنها أخته في الإسلام، حتى لا يُقتل وتُؤخذ، ووقف يصلي ويدعو الله أن ينجيها وقد نجاها الله”.))
ثالثاُ: تقعيد لهذه القضية عموماً قبل التفصيل:
إن الشريعة الإسلامية لها مقصد عام ومقاصد خاصة، فالمقصد العام: هو تحقيق مصالح الخلق جميعًا في الدنيا والآخرة، ويتحقق هذا من خلال جملة أحكام الشريعة الإسلامية. والمقاصد الخاصة: هي الأهداف التي تسعى الشريعة إلى تحقيقها في مجال خاص من مجالات الحياة كالنظام الاقتصادي أو الأسري أو السياسي. . . إلخ. وذلك عن طريق الأحكام التفصيلية التي شرعت لكل مجال على حدة.
ومصالح الناس من حيث الأهمية على ثلاث مراتب:-
أ- الضروريات: وهي ما لا يستغني الناس عن وجودها بأي حال من الأحوال ويأتي على رأسها الكليات الخمس كما سيأتي بيانه.
ب- الحاجيات: وهي ما يحتاج الناس إليه لتحقيق مصالح هامة في حياتهم، يؤدي غيابها إلى المشقة واختلال النظام العام للحياة، دون زواله من أصوله، كما يظهر في تفصيلات أحكام البيوع والزواج وسائر المعاملات.
ج- التحسينيات: وهي ما يتم بها اكتمال وتجميل أحوال الناس وتصرفاتهم، مثل الاعتناء بجمال الملبس وإعداد المأكل وجميع محاسن العادات في سلوك الناس.
والفتوى – موضوع الدراسة – تتبع القسم الأول: الضروريات.. والكليات الخمسة هي: (حفظ الدين – حفظ النفس – حفظ العقل – حفظ النسل – حفظ المال).. فهذه الكليات الخمس المذكورة هي المعروفة عند العلماء باسم الضروريات الخمسة، وهي التي أتت جميع الشرائع السماوية برعايتها والمحافظة عليها، وأما الترتيب بين هذه الضروريات فللعلماء فيه كلام كثير، وتفاصيل طويلة، وليس للترتيب قاعدة ثابتة، لكن لا خلاف على أن حفظ الدين له الأولوية والتقدمة على بقية الضروريات.. ويليه حفظ النفس عند الجمهور..
رابعاً: تحليل الفتوى:-
1- الشيخ ياسر اعتمد فتوى العز بن عبد السلام في “قواعد الأحكام” في تقديم حفظ النفس على حفظ المال، وبالتالي فالإنسان يجب أن يتخلى عن ماله صيانة لحياته إذا ما تعرض لموقف يخير فيه بين ماله ونفسه ولا يملك دفع هذا الاختيار.. فتقديم حفظ النفس أولى، أما في حال القدرة على الدفع فله أن يقاتل دفاعاً عن ماله وعن نفسه، فإن قتل فهو شهيد..
2- الشيخ ياسر قاس على ذلك مسألة العرض، ليس قياساً مطلقاً أو كلياً.. بل قياساً جزئياً، حيث قال ما نصه: ” انتبه أن هذا الأمر إنما هو في حالة واحدة، وهي العلم بقتله وأن تغتصب” (أنا السلفي) أي عند العجز التام عن الدفع، وعند تحقق وقوع المصيبتين.. القتل والاغتصاب معاً دون القدرة على دفعهما.. وقال أيضاً ما نصه: “تخفيف إحدى المصيبتين أولى من جمعهما عليه” (الوطن)..
3- الشيخ ياسر أوجب الدفاع عن العرض والنفس معاً عند وجود احتمالية الدفع والقدرة عليه، فقال ما نصه: ” وأما مع احتمال الدفع؛ فقد وجب الدفع بلا خلاف” (أنا السلفي)، وقال أيضاً: ” يجب الدفع عن العرض حال احتمال الدفع” (الوطن)..
وهذه الجزئية في غاية الأهمية، حيث تكشف لنا مدى التطرف الذي تعامل به المخالفون مع الفتوى، وما رموا به الرجل من شنيع الأوصاف.. وإنا لله وإنا إليه راجعون..
4- الشيخ ياسر لم يأمر بالتخلي عن العرض لحفظ النفس.. بل أفتى بسقوط وجوب دفع المعتدي على العرض عند عدد القدرة على الدفع، أو العجز، لعلة الإكراه، فقال: ” هو في هذه الحالة مكره، وسقط عنه الوجوب” (انا السلفي).. ويمكن شرح الأمر بصورة مبسطة: بأن نتخيل إنساناً يسير مع زوجته، فعرض له بعض قطاع الطرق، ومعهم السلاح والعدد الذي يفوق قدرته على دفعهم، وأرغموه على الرضوخ لاغتصاب زوجته، وإلا قتلوه وإياها، وهو لا يملك لا دفعهم عن قتله ولا عن اغتصابها، فالمصيبتان واقعتان لا محالة، ولا قدرة له على دفع أي منهما.. ففي هذه الحالة سقط وجوب الدفع عن اغتصاب الزوجة، لعدم القدرة عليه..
5- أخيراً.. يجدر بنا التوقف عند جزئية مهمة جداً في كلام الشيخ برهامي، حين قال رداً على السائل: “مع أن صورتك في السؤال صورة ذهنية مجردة؛ إذ كيف يكون غرضهم اغتصابها ثم إذا قتلوه لم يغتصبوها؟” (أنا السلفي).
إذن فهذه الصورة التي خاض فيها الشيخ هي صورة غير واقعية أصلاً باعتراف الشيخ، فلا يوجد اختيار من الأساس، فهم قادرون على اغتصابها في تلك الحالة، سواء قتلوه أم لم يقتلوه.. فلا يوجد اختيار.. كما أنه في موقف العاجز فلا يحتاج إلى فتوى بسقوط الوجوب عنه، لأن العاجز أصلاً لا يملك القدرة الفعل حتى يُفتى بسقوط وجوب الفعل !!
وهذا يعني أن الشيخ ياسر برهامي خاض في قضية وهمية من الأساس، وأحدث فتنة وجلبة دون جدوى، وعرض نفسه – ومن معه – لمحنة لم يكن لها داع من الأساس..
ولا نملك إزاء هذه القضية سوى أن ندعو الله أن يحفظ دماءنا وأعراضنا، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها ما بطن.. وأن يبدلنا بهذه الفتنة خيراً في ديننا وأخلاقنا.. وحسبنا الله ونعم الوكيل..
