“أمسى البكاء مبتذلاً، ربما لأن الدموع صارت تستحي من نفسها.” أو لأن الدموع أفقر من أن تخفف أوجاع قلوب هشمها الحزن عليك, أو أنها أعجز من أن ترثي أحلاماً تعلقت كثيراً بكِ, لم ألقاكِ يوماً ودفن معكِ حلمي بأن ألقاكِ يوماً في طريقٍ عابرٍ, كم كان قلبي إلى لقانا يهيم وكم كانت كلماتي ترنو لأن تنعقد أمامك في موكب مهيب يليق بكِ ولكنها انعقدت اليوم ترثيكِ فخُنتها وعَجِزتُ عن صياغتها فهربت مني تختبئ في كلماتك التي تركتيها لنا لتحتضن قلوبنا المنكسرة من أثر رحيلك, كلماتك التي صيغتيها في حياتك لترثيكِ في مماتك, كلماتك التي لطالما لمست أرواحنا واليوم أرهقتها لأنها تُكتب في رثائك, تُكتب لكِ وتُكتب عنكِ بعدما غبتِ عن عالمنا القبيح الذي لا يليق بكِ.
“لا وحشة في قبر مريمة” لا وحشة في قبر رضوى, لا وحشة في قبور الأنقياء, الوحشة في قلوب من خلفوهم ورائهم يذرفون الدمع على فراقهم, الوحشة في قلبي وقلب كل من استنشق عبير روحك في كلماتك وكل من أخذتي جزءاً من روحه معك في قبرك, الوحشة في قلب كل من أحبكِ بصدق, كل من راءاك في وجوه أبطالك, كل من عاش معك التاريخ بهزيمته وويلاته, وعاش معك الحب في جماله وبهاءه, كل من أبحر في سطورك النابضة بأوجاع من سبقونا, كل من عاش ألف حياة فوق حياته في ظل كلماتك, ومات ألف موته قبل موتته عند وفاتك, الوحشة في حياة نحياها وتفارقينا فيها, الوحشة في حياة تغيب عنها ابتسامة رضوى عاشور.
“تبدو المصائب كبيرة تقبض الروح ثم يأتي ما هو أعتى و أشد فيصغر ما بدا كبيراً و ينكمش متقلصاً في زاوية من القلب و الحشا” وهكذا مصابنا فيكِ جاء ليصغر مصائبنا التي أرهقتنا عبر أعوام مضت وكان ملاذنا فيها ابتسامتك التي تُحيي فينا الأمل فنحيا على وعد قَطَعتِه لنا بأن الغد أفضل وبأننا سنصل لمرادنا “ما دُمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا” وأن الواقع سيركع لنا ف “لا احد يستعصى على ترويض الزمان “, ولكن اليوم تنقبض الروح وتغيب ابتسامتك عنا فلا يخفف ألمها سوى يقيني بأن الله “اختارك لتكوني بجواره في الجنة ” ليخلص روحك النقية من البكاء على أشلاء الوطن ويخلص جسدك الطاهر من أوجاع المرض, فقلوبنا الضعيفة تتحمل أوجاعها ولكنها لا تتحمل أوجاعك, فنحن نستحق العذاب على ما انتُقِصَ من إنسانيتنا وأنتِ تستحقين الخلاص على كمالها فيكِ, فنحن نحتاج لألف وجعٍ أو وجعٍ بألف وجع كوجعنا لفراقك لنلملم بقايا إنسانيتنا المهدورة فنُحييها في قلوبنا فتحيى قلوبنا مطمئنة كما كان قلبك وكما كُنتِ بابتسامتك شامخة ضد كل ما يعكر صفو إنسانيتك الصادقة.
“و كأن همّاً واحداً لا يكفي أو كأنّ الهموم يستأنس بعضها ببعض فلا تنزل على الناس إلا معاً” وكأن عام الهموم ما اكتفى بأن يثقل كاهلنا بهمومه المتتابعة وأخباره الرديئة فقرر أن يزيح عنا همومه جميعاً ويستبدلها بِهَمٍ أعظم لا يخففه عنا سوى وصاياك الأخيرة لنا بأن “التشاؤم فعل لا أخلاقي”, أو يخففه عنا أنك رحلتي عنا ولكن خلفتِ ورائك كل هذا الحب, أو يخففه عنا أنك رحلتي وخلفتِ ورائك سطوراً سنموت نحن و ستحيى هي ألف عام وعام, سطورٌ ستواري أجسادنا الثرى وستبقى شامخة تخلد ذكراكِ, أو يخفف عنا يقيننا بأن الأجساد تفنى ولكن الأرواح تبقى ما بقيت الحياة وستظل روحك معنا نستمد منها ألف حياة.
“عند موت من نحب نكفِّنه نلفه برحمة و نحفر في الأرض عميقاً, نبكي, نعرف أننا ندفنه لنمضي إلى مواصلة الحياة, أي عاقل ينبش قبور أحبابه؟” فالعاقل لا يقوى إلا على بضع دعوات يرسلها لهم في صلواته أو صدقات على أرواحهم وصدقاتنا إليك تركتيها أنت لنا لنقرأها بعد مماتك نتوارثها أجيال وراء أجيال لعصور قادمة لا تفنى, صدقات أخرجتيها من جعبتك عنك وعن أرواح السابقين الذين أعيتهم الحياة ونساهم التاريخ فتذكرتيهم وذكرتيهم لنا لنحيي ذكراهم ونحيي ذكراكِ ما دامت الأرض تنبض بالحياة وما دامت الأرض تحتضنك وتنثر عبيرك الخالد بخلود أنسانيتك المخلدة في أعمالك, فلترقد روحك في سلام وتتخلص أرواح من أحبوكِ من أوجاعها لفراقك ولتقوى على ما تركتيه لها من ارث كبير من الكلمات, لتكمل رسالتك في الحياة, فتنشر ماكتبت وتكتب ما ينشر عنك, تتعلم ما خطه قلمكِ وتُعَلِم ما تَعلمته منكِ, فلترقد روحك في سلام وأمان ولينير الله قبرك فلا وحشة في قبركِ لا وحشة في قبر رضوى.