awraqarabia.net - بوابة أوراق عربية

الشريعة الإسلامية.. والفهم قبل التطبيق.. الجزء الثاني

كتبه و أعده للنشر : جابر القصاص

وهي شريعة أيضاً بمعنى: الطريق الأعظم، وذلك أن الأحكام التي شرعها الله تعالى لهم تؤدي بهم إلى خيري الدنيا والآخرة، كالطريق السهل المعبد الذي لا يرهق السائر فيه، ولا يضل، إذا التزم بإشاراته وعلاماته.
وهي شريعة أيضاً من قولهم:”شرع المنزل، إذا كان الباب على طريق نافذ”، فكذلك الشريعة بما اشتملت عليه من أحكام وآداب تطل بالعبد على طريق نافذ، وهو طريق رضوان رب العباد، الذي فيه الفوز والفلاح.
وهي شريعة أيضاً من الخوض، إذ أن العبد ملزم باتباع أحكامها، كالذي يخوض في الماء، ليعبر إلى الجانب الآخر.
وهي شريعة أيضاً لأنها كالمعين الذي لا ينضب، أو النهر الجاري الذي لا ينفد ماؤه، كما قال ابن منظور – رحمه الله –:”والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عداً لا انقطاع له”، وكذلك أحكام الشريعة لا تنحصر في باب، ولا تقصر عن مجال، ولاتنقطع بركتها.
وهي شريعة لظهورها ووضوح أحكامها وقواعدها، وجلاء عللها وحكمتها، كما قال ابن منظور عن مورد الشاربة المسمى شريعة:”ويكون ظاهراً معيناً لا يسقى بالرشاء”، وما نقله من تفسير ابن الأعرابي لآيتي الشورى: شرع بمعنى: أظهر، وشرعوا لهم بمعنى: أظهروا لهم.
وهي شريعة: لسماحتها، ويسر تكاليفها، كما يقال في المثل: أهون السقي التشريع، وذلك أن الإبل إذا أوردها ربها شريعة الماء شربت ولم يستق لها، وبالتالي لم يتعب في سقايتها الماء كما يتعب إذا كان الماء بعيداً، ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل:{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ}(المائدة: 6)، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(الحج: 78)، وقوله جل شأنه:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185)، والله المستعان.
أما عن المعنى الشرعي أو الاصطلاحي للشريعة: فقد تعددت فيه أقوال أهل العلم، لكن أقوالهم كانت متصلة يكمل بعضها بعضاً، فقال القرطبي رحمه الله في تفسيره (16/ 163): “فالشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين، والجمع الشرائع، والشرائع في الدين: المذاهب التي شرعها الله لخلقه، فمعنى {جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ} أي: على منهاج واضح من أمر الدين، يشرع بك إلى الحق، وقال ابن عباس:”على شريعة” أي: على هدى من الأمر.
قتادة: الشريعة: الأمر والنهي والحدود والفرائض.
مقاتل: البينة، لأنها طريق إلى الحق.
الكلبي: السنة، لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء.
ابن زيد: الدين، لأنه طريق النجاة”.
وقال الراغب الأصفهاني [المفردات (1/ 450)]:”الشرع: نهج الطريق الواضح، يقال: شرعت له طريقاً، والشرع: مصدر، ثم جعل اسماً للطريق النهج، فقيل له: شرع، وشِرع، وشريعة، واستعير ذلك للطريقة الإلهية، قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}(المائدة: 48)،

فذلك إشارة إلى أمرين:-
أحدهما: ما سخر الله تعالى عليه كل إنسان من طريق يتحراه، مما يعود إلى مصالح العباد وعمارة البلاد، وذلك المشار إليه بقوله:{وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}(الزخرف: 32).
الثاني: ما قيض له من الدين وأمره به ليتحراه اختياراً مما تختلف فيه الشرائع، ويعترضه النسخ، ودل عليه قوله:{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا}(الجاثية: 18) ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها قال ابن عباس: الشرعة: ما ورد به القرآن، والمنهاج ما ورد به السنة [انظر: البصائر 3/ 309، وتفسير الماوردي 1/ 51]، وقوله تعالى:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا}(الشورى: 13)،

فإشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل، فلا يصح عليها النسخ كمعرفة الله تعالى، ونحو ذلك من نحو ما دل عليه قوله:{وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}(النساء: 136)” .
وللحديث بقية إن شاء الله..

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂