أنا أخاف القراءة ! ……….. نور الحاج يحي – خاص لأوراق عربية

تذكرت بعد انتهائي من قراءة “مذكّرات الأرقش” لقائي الثاني الجميل بزوجي محمود في “كافي بين”، كنا يومئذ إلى جانب عصير التّوت نتناقش حول القراءة والكتب والكتّاب، وتطرقنا فيما تطرقنا إليه إلى الكتب التي قام أحدنا بقراءتها ولم يقم بذلك الآخر بعد، فإلى جانب قائمة الكتب التي لم أكن قد قرأتها بعد، أذكر أني سألته يومها ما إذا كان قد قام بقراءة “الثعبان والزنبقة” لكازنتزاكيس، فأجاب بأنه لم يكن قد قرأه بعد، فما كان منّي إلا أن أجبته بعفويّة وتلقائيّة: لا تفعل ذلك إذن.
رغم إمتاع القراءة للقارئ ومساهمتها في تعزيز “الأنا” وتوسيع مداركه، إدراكه بنفسه وبمن حوله والكون، إلا أنها سلاح ذو حدّين، يحدث أحيانا أن تكون القراءة خطرة تماماً على القارئ، وتتلخّص خطورتها في قول أمّي لي – وهي تسعى لأن تقنعني بشاب جميل تقدّم لخطوبتي يوماً، ولم يكن يعيبه شيءٌ سوى حجّتي بأنني لن أشعر بـ “نور” معه أبداً -: الشّخصيّات الحبريّة بعيدة كلّ البعد عن الواقع وأخشى أنكِ تعيشين فتنة الكتب!، كنت دون أدنى شكّ أفعل ذلك، ولكن كنت قد وصلت إلى نقطة اللاّرجوع تماماً.
أعود إلى الثعبان والزنبقة، وإلى مذكرات الأرقش، والكثير من الكتب التي تتحدث عن أبطال تجد لديهم القليل أو الكثير مما تملك وتشعر به، أبطال بتّسمون بالعمق الفكري ما قد يصل إلى درجة أذيّة القارئ لشعوره بأن (رغم بشاعة تطبيق الفكرة إلا أنّ فكر الكاتب فيها صحيح تماما)، فأن يقوم بطل الثعبان والزنبقة بلعب دور من يريد أن يفهم الكون، فيحاول أن يفهمه من خلال الحب الذي تغدق عليه حبيبته به، يوماً بعد يوم، إلى أن يبدأ باعتياد الحب فيشعر بأنها لم تعد تغذّي ذلك الفضول الجائع لديه، فيكفّ عن حبّها كيّ يبحث عن شيء أعمق، فلسفة أعمق، إلى أن يصل به الأمر إلى قتلها في جريمة، من البشاعة أن أقول أنها جميلة جدا، أن يعيش القارئ وبخاصة القارئ الذكيّ مثل هذا التسلسل في فكر البطل، في بحثه عن الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها إجابات فكريّة مقنعة، ثمّ يبدأ بموافقته على أن فكرة “اعتياد الحبّ والجسد” من شأنها أن تصل به إلى حدّ الإشباع والاكتفاء، فكرة أجد أنها خطرة إذا ما وافقها القارئ وبدأ بتطبيقها على حبيبته أو زوجته، لهذا أقوم أحيانا أثناء قراءتي لفقرة مؤذية في كتابٍ ما سبق وأن قام محمود بقراءته بالإسراع إلى قراءة المقتطفات ورؤية ما إذا كان محمود قد التفت إلى الفقرة فعلا، ولمعرفتي أن محمود لا شكّ يتسم بالعمق الفكري الجميل، أرى أنه قد فعلها كما توقعت حقا!، حدث منذ يومين أن تساءلت أمامه ما إذا كان قد اقتطف فقرة “الزواج مقبرة الحبّ” من مذكّرات الأرقش – وكان قد فعلها -، أن دخلنا في نقاش طويل حسّاس حول الأمر، وعدتُ اليوم أتساءل أمامه عمّا إذا كان يشعر أن القراءة خطرة أحيانا فوافقني.
من الجّميل جدّا أن نقرأ، ومن الجّميل جدّا أن نفكّر وألا نتوقّف عن التفكير والتساؤل والبحث عن الإجابات، ولكن في العمق بشاعةٌ كذلك، لذا من واجب الفكر أن يقوم باستفزاز ذلك العمق الجميل لا البشع المؤذي، أن يعيد ترتيب علاقتنا مع الأشياء وفق رؤية جديدة غير سطحية، ولكن دون أن نقوم بالموافقة العمياء حتى للأفكار المؤذية دون أن نشعر!
بقلم – نور الحاج يحي – خاص لأوراق عربية



