أماه..
كيف تراه حالك في الشتاء؟
هل ما يزال البرد ينفذ في عظامك.. في الشتاء؟
قد توقدين النار..
أو تتدثرين بصفحتين من الغطاء
تتلمّسين الدفء
ترتجفين برداً في عناء
حتى يجيء الدفء..
تسترخي جفونك.. والدماء
ويجيء صبح باسم الأنفاس
يحمل بين كفيه وعوداً من ضياء
والشمس تسطع في حياء
تستقبلين الشمس.. يا أمي
كأنكِ كنتِ في سجن الظلام أسيرة
والشمس جاءت بالفداء
لكن سجني ليس يرضى لي فداء
وكأنه مسخ يرى فينا غذاء
أشهى غذاء!!
***
ما زلت اذكر – رغم أغلالي – زمان طفولتي
هل تذكرين طفولتي؟
هل تذكرين رعونتي؟
قضبان سجني مثل نافذتي الصغيرة
كنت أنظر عبرها للكون
أمقت وحدتي
أرنو إلى الأقران في جولاتهم..
والأمنيات تثور تلسع مهجتي
قد كنت طفلاً ناحلاً
أنسلّ من فضبان نافذتي
وأمرح راضياً بنحافتي
لكنني ما عدت طفلاً..
قد كبرت اليوم
والقضبان تسخر من أمانيّ الصغار
قضبان سجني لا تجيز نفاذ جسمي للفرار
ومدافع الحراس تُعجزني
وتقتل كل آمالي الكبار
والقيد يثقل خطوتي..
ما زلت أذكر – رغم أغلالي – زمان طفولتي
ما زلت أذكر طيبتي .. وبراءتي
ما زلت اذكر غنوتي..
تلك التي أشدو بها بين التلاميذ الصغار
أزهو بأمجادي القديمة بالفخار..
أرنو إلى العلم الذي يعلو يرفرف
في شموخ.. واقتدار
تجري الأماني في خيالاتي
أراني فارساً ينقض يقتحم المعاقل والمقار
وأشق دربي واثقاً بين الأعادي
لا أخاف .. ولا أفر..
وليس يرهبني انتظار..
ما زلت أذكر وهم أمجادي..
وحلم بطولتي..
ما زلت أذكر – رغم أغلالي – زمان طفولتي..
***
أماه..
كيف تراه حالك؟
ليتني أدري الجواب..
فالعمر يمضي.. والسنون بنت سياجاً بيننا
سوراً عظيماً ليس فيه أي باب
مازلت أذكر أمنياتك حين أكبر
أن أصير مهندساً..
أو عالماً.
اسمي يطل على كتاب
أو أن أكون محارباً يهوى مقارعة الصعاب
أماه..
معذرة.. لأني لم أصر شيئاً كبيراً
مثلما كنتِ قديماً ترغبين..
لكن قلبي كان دوماً عاشقاً هذا الوطن
لم يمتلك شيئاً يقدمه له غير الهتاف..
لدى المحن…
هل تذكرين؟
في ذلك اليوم الحزين..
لما خرجت مع الجموع مردداً: “يحيا الوطن”
كنا نطالب بالكرامة.. والعدالة..
نبتغي حرية.. ماتت بأوطان التسلط..
لم تجد فيها سكن..
لم نلتمس شيئاً لأنفسنا سوى العيش الحسن
العيش في عز وأمنٍ
دون خوف أو وهن.
لكنهم لم يسمعونا..
بل بالسلاح وبالكلاب استقبلونا..
كالمجرمين وكاللصوص رأوا تجمعنا..
فثاروا طاردونا..
قد كنت أحمل راية الوطن الحزين
لم أنسحب.. بل قمت أهتف في شموخ
لا ألين
لم أكترث بسلاحهم..
لم أكترث بنباحهم..
واصلت معركتي النبيلة في وجوه الآثمين..
صوتي سلاحي..
علَمي وشاحي..
العزم في قلبي مكين..
أصبحت جندياً شجاعاً.. ليس يرهبه طنين
لكن عزمي لم يطل..
فلقد سقطت بلوعتي في أسرهم..
قد صار ذاك الفارس المغوار يا أمي..
سجين!!
***
أماه..
كيف تراه حالك لو رأيت هزيمتي؟
حين انكفأت أمام خصمي
بعد أن فارقت فيه صوتي
وافتقدت عقيرتي
قد ضاع ما شيدته بالوهم
خرّت تحت أقدام الذئاب عزيمتي
***
أماه..
كيف تراه حالك؟
كيف تحتملين أنياب الحنين؟
قد حال بين لقائنا سد منيع من سنين..
قد شاخ ذاك الطفل يا أمي
وهدّ القهر قوته
ومات به اليقين
قد شاخ ذاك الطفل يا أمي
وغاضت نضرة الأمس الدفين
كانت على وجناته غمازتان.. توارتا..
وتمددت فيه تجاعيد الجبين
مثل الأخاديد العميقة
كالقبور الغائرات ترسخت
كي تلقف الأمل الطعين
الليث خر على العراء
يراقب الريح التي عصفت بأعمدة العرين
الطفل شاخ..
وذابت الأحلام في القلب السجين
والضوء في كمد تعلق في مشانق ظلمة الأسر الحصين
الطفل شاخ
وغاضت الضحكات..
أخرسها الأنين
الأسر أطفأ شمعة العمر الرهين
عاماً فعاماً
غير أني قد سئمت العدّ
أخطأت السنين
كم من ليالي العمر ضاعت في الأنين
كم من ليالي العمر ضاعت في الحنين
ولقد بدأت أظن يا أمي
بأني في الزنازن منذ أن كنت سجين
***
أماه.. كيف تراه حال حُجَيْرتي؟
ودفاتري..
وملابسي..
وملاءتي؟
وكيف الفراش؟
أما يزال المطرب المحبوب.. صورته بجانب صورتي؟
والمقعد العالي الذي قد كان يدفعني لأقفز
كي أحس – إذا جلست – براحتي.؟
والمكتب المبسوط.. تغفو فوقه كتبي وأوراقي
وقد رقدت عليه حقيبتي؟
وبداخل الأدراج أوراق
بجانب صورة لحبيبتي..
أماه.. كيف تراه حال حبيبتي؟
والصورة الأخرى لباقي إخوتي
مع صورة لأبي.. وكان بها شريط قاتم
في ركنها العلوي
ألصقناه يوم وفاته..
أثناء تأدية الصلاة..
أماه..
كيف تراه حالك في الحياة؟
ما زلتُ أطمع في النجاة..
حتى أراك..
ثم فلتكن الوفاة!
***
أماه..
هل مازلت – يا أمي – على قيد الحياة؟؟