تنمية ذاتية وبشريةمنتدي أوراق عربية

أرشيف ذكرياتي..! – عبد الرحمن عبد النبي / لأوراق عربية


عندما أفتح ألبوم الصورِ، أرشيف ذكرياتي، يتبادر ذلك السؤال إلى ذهني..يا ترى في أي مرحلة من مراحل حياتي يجب أن أعيش بها الآن كي أكون ذلك الإنسان السعيد!؟، فهذه طفولتي بريئة مليئة بالحيوية والإنبهار بكل شيء، والمشاعر الفياضة والعفوية إلى أبعد الحدود، وكنت أطيل من النظر إلى كل ما هو جديد وأذهب سريعاً لأجربه بكل برائه، فتارةً أجرب باللمس وتارةً بالشم وتارةً أخرى بالتذوق إن لزم الأمر، مرحلةٌ لنا بأن نعنونها بعنوان ‘التجربة البريئة’..وأُقلبُ في ألبوم الصور فإذ بي أجدني قد كبرت، وبدأت ملامحي في التغير، فهي مرحلة المراهقة والعناد، والدخول إلى دنيا المجازفة المشوبة بالخوف، مرحلةٌ يسيطر عليها عنوان ‘التوق لأن أصبح رجلاً كبيراً’ وهذا بالطبع عن طريق تصرفاتي والتي أحاول أن أثبتها دائماً للآخرين، وأعود لأقلب الصفحات، فإذ بي أصبحت أكثر رشداً ونضوجاً، فهي حياة بها بدايات لأشياء كثيرة، مثل العمل، وأول مرتب أحصل عليه، والبحث عن حبيبتي التي أحب أن أكمل معها بقية ألبوم صوري وأرشيف ذكرياتي، مرحلة تحمل عنوان ‘أول سلمة الشقا’، وأقلب وأقلب في الصور وإذ بي أجد أماكن شاغرة تنتظرني لأن أملؤها بالذكريات من الصور، ولن أدّعي أنني أفهم تلك المرحلة بكل تفاصيلها وهذا ببساطة لأنني لم أعشها بعد، ولكن من معايشتي المتنوعة مع تلك المرحلة من العمر، أرى بأن أصفها في كلمةٍ وهي ‘موسم الحصاد’، الحصاد لم تم زراعته في ما مضى من مراحل العمر، فالأغلبية في تلك المرحلة يصلوا إلى ذروة انشغالهم بالحياة، ولا يجدوا الوقت الكافي لأن يعيدوا صياغة شيء بأكمله، وإن كان ذلك الوصف لا ينطبق على الجميع، فهناك من يغير مسار حياته بالكامل وإن كان ذلك في أواخر عمره، ولكن أرى من وجهة نظري المتناهية في الصغر بأن هذه ليست بالقاعدة العامة وإنما الشاذة منها، ومن ثم ننتقل إل مرحلة الشيخوخة والتي أرى في أن أصفها بعنوان ‘مرحلة تذكر وتأمل في صمت ما فات من أرشيف الذكريات’..وهنا السؤال الذي يطرح نفسه مرةً أخرى، في أي مرحلةٍ من مراحل حياتي يجب أن أعيش بها!؟، في أي عنوان من تلك العناوين يتوجب عليَّ بأن أستظل بظلها، والإجابة هنا إجابة ربانية من أجمل ما يكون، فكل واحدٍ منا له إجابته الخاصة به، وهذا ببساطة لأن لكلٍ منا تفاصيل حياة لا تشبه أحد إلا صاحب تلك الحياة، وكأن الله يقول لنا: لم أعطيك يا أيها الإنسان كل تلك التجارب والمراحل لكي تنساها وتمحوها، وإنما لتضعها وتحتفظ بها داخل أرشيف ذكرياتك، وهذا لكي تستعيدها وقت اللزوم مع ما يتناسب من مواقف تقابلها، نعم فليس منا من ينسى كلمة الحب ولا الفرح ولا الحزن ولا غيرها من تلك المسميات، فتلك مشاعر وكلمات نتربى عليها منذ نعومة أظافرنا، ولكن ما يحدث أنها تتغير هيئتها، فمنا من يجف حبه، ومنا من يتحول من مجرد كاره لشيء إلى حاقد وحاسد وناقم عليه، ومنا من يزيد تكلُّفهُ في كل شيء وتقل عفويته..إلخ من مشاعر وصفات تتغير بنسب متفاوته من إنسان لآخر حسب ما يتعرض له من ظروف وحسب شخصيته وردة فعلها، ولكن الله لم يخلق لنا مثل تلك المشاعر إذ فجئةً وعلى كِبر، وإنما لها نشئة في طفولة كلاً منا، وكَبُرت معنا وتطورت من مرحلة لأخرى -وكما أن لكل شيء نواة وبذرة نقية من الشوائب ومنها تنبت وتترعرع- هكذا هي مشاعرنا فكلما أحسست بأنك ازداد بُعدك عن لُب مشاعرك الجميلة والنقية، فعليك أن تستعيدها من أرشيف ذاكرتك، فكن طفلاً شواقاً تواقاً لأن تعرف كل شيء ممن هم أكبر منك سناً وعلماً وخبرةً، وكن مراهقاً عنيداً مجازفاً في تحقيق أحلامك وطموحاتك، وكن شاباً قوياً مثابراً في مسيرة حياتك، وغلف كل تلك المشاعر والتصرفات بالعقلانية والرشد كي لا تصاب بالبلاهة في تصرفاتك، فتلك مشاعر أنت من تضع حدودها، فمثلها -المشاعر- مثل حب تلك الدبة لصاحبتها، فحينما أحبت أن لا توقظها ووجدت تلك الذبابة قد استقرت على أنفها ألقت بالصخرة الكبيرة لتقتل بها الذبابة التي من الممكن أن توقظها فإذ بها تقتل صاحبتها!..أرشيفٌ من الصور والذكريات لا يجب أن ننساه، ففيه تجتمع كل أصل البذور، فمهما كبر حجم الشجرة وزاد طولها وتفرعت فروعها وزادت تعقيداتها ففي أصلها تلك البذرة النقية والتي بلا عُقدِ، فاليتأمل كلاً منا أرشيف ذكرياته، وليزيح عن بذور مشاعره النقية ذلك الغبار المميت..!

ع.ع

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق