awraqarabia.net - بوابة أوراق عربية

أحمد المنسي يكتب من يغسل وجه مصر؟

لم ارجع إلى كتاب أو موقع إخباري أو أي مصدر آخر آخذ منه معلومة أقدمها للقارئ الكريم , ولم أبحث عن عبارات منمقة ومفردات عميقة المعنى , ولم أحاول أن أرتب الجمل , أو أستدعي البلاغة في هذا المقال .. فأنا أتحدث عن وجه مصر الذي أراه ويؤلمني كلما رايته, أتحدث عن الوطن مصر التي هي أعرق حضارة في التاريخ , أتحدث عن وجه مصر اليوم, ذلك الوجه الغريب العجيب .

لقد جعل الله للناس أوقات يستحب ويستجاب فيها الدعاء , من تلك الأوقات؛ عند نزول المطر, غير أن المطر الذي يحمل اليسر والخير والنماء للأرض والبشر يحمل للناس في مصر القلق والهم, فيضيف إلى الأرض طينا يجعل للناس عسرا فوق ما لديهم من عسر, وتنزف الأسقف ماءا كأنها تبكي على ما في قلوب الناس من قسوة وفساد.هذا وجه مصر .

ويغيب كل جميل في الطرقات ليظهر القبح بكل ألوانه , وتنتشر القمامة في كل مكان لتدنس وجه أمة حضارتها تضرب في عمق التاريخ ربما تتخطى السبعة آلاف عام, وقد أصبحت هذه القمامة ملاصقة للبيوت والمحلات التجارية والمدارس والمساجد والكنائس والمؤسسات والمستشفيات وقد اعتاد الناس على رؤيتها يوميا وبشكل دائم , حتى لم يعد أحد يرى في وجودها غرابة , ويعد الانتظار بجوار كومة من القمامة أو السير فوقها أمرا عاديا .

الناس يشكُّكون في نوايا الناس , والناس يخوِّنون الناس ,والناس يتهمون الناس , والناس يحاولون  تشويه الناس , وقد يتربص أحدهم بأخيه أو جاره أو زميله , ويتابعه ويراقبه ليرى منه الزلل والخطأ فيفضحه , وقد يتعالى صاحب النعمة على من فقدها – وإن كان أخيه -, وقد يلحن أحدهم في القول فيقلب الباطل حقا والحق باطلا . هذا وجه مصر .

لم تعد لأسباب النجاح قيمة ولا معنى , بل صار النفاق والتدليس والكذب والتضليل هن آيات النجاح , وانقسم الناس إلى فريقين أو أكثر , ولم يكن انقسامهم من أجل خلاف في طريقة العمل والبناء والتشييد والإصلاح , ولم يكن انقسامهم من أجل أن أحد الفريقين أراد أن يبدأ بتنظيف الشوارع وزرع الأشجار وجمع القمامة , في حين رأى الفريق الآخر البدء بالبحث العلمي , بينما رأى فريق ثالث الاهتمام بالزراعة و الصناعة , وإنما كان انقسامهم من أجل  التبعية, ففريق يتبع هذا وفريق يتبع ذاك . هذا وجه مصر .

لم تكن الملوثات البصرية فقط القبح الوحيد في المشهد , بل إن الصورة تحمل العديد من مشاهد القبح, فالطرقات تشكو سوء الأدب , فلم يعد لقانون المرور مغزى ولا معنى في الوقت الذي تمشي فيه السيارات في اتجاه عكسي , وتنتظر حيث شاء صاحبها في المكان والزمان , فضلا عن تصاعد الدخان الأسود والأبيض وقد سوّد لون المباني والجسور والكباري , وقد ابتلى الناس بالأمراض والأسقام .

أما عن الملوثات السمعية فحدث ولا حرج, فقد تسمع رغما عنك ما يؤذيك من  كلمات وأصوات غريبة لا تمت للذوق بصلة , وقد يصرعك أحد الباعة الجائلين بالإعلان عن سلعته من خلال صوت ليس الهدف منه البلاغ , إنما إحداث صدمة عصبية, وقد يفزع طفل رضيع – لا ذنب له – فزعا شديدا بسبب هذا الصوت , ولا أحد يحاسب أو يعاقب أو يؤدب. وهذا وجه مصر.

هذا جانب يسير من القبح في مصر, أضف إليه فساد القلوب و العقول, تراجع الهمم , الجهل والفقر والمرض, اليأس والإحباط  والقلق, السخرية من الدين والأخلاق , الكل مضطرب , الكل  خائف , الكل متحفز متسرع , ما من بيت إلا وفيه مشكلة – إن لم تكن مشكلات , وجوه الناس مرهقة , الكل يشكو .

الدار ترفض من بها والأرض تلعن من عليها .

 ضاقت علينا الأرض بما رحبت ..  فأما أصحاب القدرة على رسم معالم مصر بشكل يليق بها فقد انشغلوا بأحد أمرين , إما بالبحث عن  المناصب ,أو بالتبعية لأصحاب المناصب, وقد رأو وجه مصر الحقيقي – فقط – في رجل مسن ذهب إلى إحدى اللجان الانتخابية ليعطي صوته , قالوا انظروا .. هذا هو وجه مصر الحقيقي , فادخروا التاريخ والحضارة والعلم والثقافة  والطب والفلك والاقتصاد والفن والقيم والأخلاقيات كلها في رجل مسن خرج من بيته.. وكأن الأمة مغيبة تائهة .

لا يحكم في ملك الله أحد إلا بمراد الله .. فمن أتاه الله الملك فقد أتاه حملا ثقيلا من الهموم والأوزار , ومن حكم فعدل فهو نعمة أنعمها الله على عباده , فإذا أفسد وتجبر وطغى فإنما هو عصا الله في الأرض يؤدب بها عباده حتى يعودوا إليه.

من يفزع إلى وجه الوطن فيغسله بأسباب الرقي والرفعة والحضارة ومكارم الأخلاق ؟

من يغسل وجه مصر ؟!

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂