وطننا العربي

هل تتحول وزارتا العدل والداخلية من «نعمة» الى «نقمة» لتيار المستقبل؟

لبنان

ابراهيم ناصرالدين
من استمع الى خطاب الرئيس سعد الحريري في «البيال» عشية ولادة الحكومة، وكلامه عن عدم الجدوى من الحوار السياسي مع حزب الله، ووضعه «لداعش» «والنصرة» في سلة «ارهاب» واحدة مع الحزب، ظن للوهلة الاولى انه سيعلن في نهاية خطابه «الطلاق البائن»، لكن من يعرف حقيقة ما كان يدور في «كواليس» السياسة كان يكتفي حينها برسم ابتسامة «ساخرة» على محياه، وشعور «بالشفقة» على جمهور يتم التلاعب بعواطفه، خصوصا انه لم يحصل على اجابة واضحة من الحريري عما يجعله «يهضم» الشراكة مع حزب يمتلك كل تلك «الصفات الشريرة» بعد اشهر من التحريض الذي لن يتوقف رغم تشكيل الحكومة.
اوساط سياسية متابعة لهذا الملف تؤكد ان الحريري نفسه لا يملك اجابة واضحة على هذا السؤال، وابلغ الادلة على ذلك ما قاله لرئيس القوات اللبنانية سمير جعجع الذي عاجله بسلسلة من الاسئلة «الجوهرية» مطالبة باستفسارات، وكان جواب الحريري «معك حق» ولكنني مضطر للمضي قدما بتشكيل الحكومة. طبعا «والحكيم» من الاشارة يفهم.
وتتوقف تلك الاوساط، كثيرا عند احتفاء تيار المستقبل بادخال وجهين من الصقور الى الحكومة، وترى ان ما حاول ابرازه التيار «الازرق» على انه انتصار ليس الا عبارة عن «تفليسة» لارضاء جمهور لم يفهم حتى الآن اين ذهبت المقاومة المدنية في وجه حزب «القتلة»، ولم يفهم حتى كيف ستتم المواجهة مع الحزب الذي ينال اليوم تغطية شرعية لقتاله في سوريا، بعد ان بينت التطورات انعدام قدرة 14 آذار على التأثير في القضايا الكبرى، وتقزمت الانتصارات الى حدود دخول «قائد» محور الى وزارة العدل، وتوزير شخصية للداخلية ممنوعة من الدخول الى غالبية المناطق اللبنانية.
اما لماذا وافق الحريري على دخول حكومة الان، فالجواب في مكان آخر، وهو اصلا لا يملك امكانية الرفض والقبول، فما يحصل يرتبط بعدة عوامل اقليمية ودولية عنوانها صياغة اميركية جديدة لملف الحلفاء في المنطقة على وقع «التفاهم» المستجد مع ايران، وتقدم ملف مكافحة «الارهاب»، وهذا تطلب الضغط على الرياض للقبول بـ«ستاتيكو» على الساحة اللبنانية في ظل انعدام خيارات المواجهة المباشرة مع حزب الله ومن خلفه ايران التي مارست بدورها ضغوطا لاقت صدى في واشنطن.
وللمزيد من الشرح، تعطي تلك الاوساط، قصة ترشيح نهاد المشنوق مثالا على ذلك، وتشير الى ان وزير الداخلية الجديد فرضته التوازنات السعودية الداخلية نائبا عن بيروت في الدورة الاخيرة واليوم يدخل هذه الوزارة الامنية بفعل توازنات سياسية سعودية ـ اميركية جعلته المرشح الاول والاخير لهذا المنصب، ولم يكن ريفي اصلا مرشحا جديا لتولي هذا المنصب.
وتشير تلك الاوساط، الى ان صعود اسهم المشنوق في السعودية يرتبط بصعود «نجم» صديقه وزير الداخلية السعودي محمد بن نايف، وثمة معلومات عن بدء تسلمه ملفات الامير بندر بن سلطان المتعلقة بالامن الخارجي للمملكة، ومن هنا يمكن ادراك الاهمية الخاصة لزيارته الى واشنطن خلال الايام الماضية، فوزير الداخلية هو المؤهل والاكثر قبولا عند الملك لاعطائه مسؤولية الاشراف على ملفات الامن الخارجي السعودي والحاق جهاز الاستخبارات بوزارة الداخلية، بسبب النجاحات التي حققها في محاربة الارهاب، وكان الامير محمد قد تولى ومنذ سنوات مسؤولية ملف العلاقات السياسية والامنية مع اليمن بعد وفاة والده وهو يعمل بالتنسيق مع الاجهزة الاستخبارية والامنية الاميركية على مطاردة عناصر تنظيم القاعدة في اليمن والجزيرة العربية ونجح باختراقهم وتحقيق ضربات قاتله للعديد من قادتهم. وهذا ما يطرح سؤالاً شديد الاهمية عما اذا كان للمشنوق مهمة محددة في وزارة الداخلية اللبنانية؟
وبحسب المعلومات، فان الحريري كان يعرف جيدا ان «ما كتب قد كتب» لكنه طرح اسم ريفي لمنصب وزير الداخلية وكان يعرف مسبقا ان حزب الله سيرفضه، وكان يرسل من تحت «الطاولة» اشارت ايجابية عن عدم تمسكه بالطرح، وهذا ما عممه «الوسيط» الاشتراكي. لكنه دون ان يدري سدد هدفا «مجانيا» في مرماه لصالح حزب الله الذي تلقى تمريرة لم تكن بالحسبان استطاع من خلالها ان يكون «الآمر الناهي» في تشكيل الحكومة من عدمه، وقال «لا» مدوية بدا من خلالها الحريري مرة جديدة كمن رضخ لأملاءات الحزب بعد ان منعه من توزير من يريد في حقيبة «شديدة» الحساسية.
واذا كان للحريري اسبابه الخارجة عن ارادته للدخول في حكومة «المصلحة الوطنية»، فان لحزب الله «مصلحة» عليا واستراتيجية في هذه الحكومة، وبراي تلك الاوساط، فان من يوجه الانتقادات الى حزب الله لقبوله «بصقور» المستقبل في الحكومة ينسى ان للحزب اولويات أخرى تتجاوز «شكليات» الاسماء وهوية اصحابها.
لكن ما يغيب عن بال المنتقدين، ان حزب الله حقق لاول مرة في الحكومة توازنا بين خياراته الداخلية والخارجية، فهو من جهة عزز موقع حليفة الجنرال ميشال عون، فيما ترك الحريري «الحكيم» جالسا على «الرصيف»، وفي المقابل حصل الحزب من منتقديه على اعتراف «ضمني» بتسليم بدوره «الاقليمي» الذي يبقى خارج اي مساومات، فمعركته «الاستباقية» في سوريا مستمرة، وسلاح المقاومة خارج النقاش، والاولوية اليوم لمكافحة «الارهاب».
وتلفت تلك الاوساط الى ان بعض من يشعر بالغضب تجاه موافقة حزب الله على الحكومة بتركيبتها الراهنة ينطلق من «مبالغة» غير منطقية لقدرات الحزب على التحمل والمواجهة، وينسى هؤلاء ان الحزب يواجه في هذه المرحلة أخطارا غير مسبوقة، وعلى جبهات متعددة، ولذلك وفي لحظة اقليمية ودولية شديدة الخطورة، لا يضيره تقديم «تنازلات» غير مؤثرة تريح جبهته الداخلية وتخفف عنه اعباء اضافية كانت لتزيد من الضغوط عليه، فأيهما افضل للحزب، ان تعيش البلاد تحت مظلة حكومة جامعة؟ او ان يضطر لمواجهة حكومة «امر واقع» كانت ولادتها ستحمله اعباء ميدانية اضافية وتفتح عليه جبهة جديدة هو بغنى عنها؟ ولعل الاهم من كل ذلك هو غياب «البديل» السني الفاعل لقيام شراكة جدية معه في البلاد، والسؤال عما اذا كان الحزب سيعود الى خيار «التسوية» مع الحريري لو نجح الرئيس ميقاتي في الخروج من «عباءة» المستقبل التي ظل يتظلل بها حتى آخر يوم من عمر حكومته التي اطاح بها في أواخر آذار عام 2013؟
وفي هذا السياق تشير تلك الاوساط، الى ان حزب الله «يشتري الوقت» داخليا، وامامه استحقاقان كبيران الاول الحرب على الارهاب، وحسم المواجهات في منطقة القلمون، في هذا الوقت حليفه السوري يحقق انتصارا ديبلوماسيا بعد ان ذهب الى جنيف فاقدا للمصداقية والاهلية دوليا، وعاد منها بعد ان اكتسب صفة «الشريك في صنع السلام» وهو يحظى باعتراف دبلوماسي على المستوى الاممي بعد ان كان ينظر الى اركانه باعتبارهم مجرمي حرب. في المقابل تلقى حلفاء الحريري في المعارضة السورية ضربة موجعة بعد رفضهم مناقشة مكافحة الارهاب، ما بعث برسالة خاطئة في الوقت الخطأ الى المجتمع الدولي، والى ان تتضح المهمة الموكلة للمشنوق يعرف الحريري انه امام اختبار جدي وخطير بعد ان تسلم وزارتي العدل والداخلية، وهو سيكون امام تحد غير مسبوق من خلال الرضوخ للضغوط الدولية للمشاركة في الحرب على «الارهاب» اي الدخول عمليا في مواجهة ضمن «بيئته الحاضنة»، فهل تتحول نعمة العدل والداخلية الى نقمة؟

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق