روايات مُسلسلةمنتدي أوراق عربية

جابر القصاص لـ موقع أوراق عربية …. المُحاكمة – قصة مُسلسلة ج7

 

للمرة الأولى أشاهد مثل هذه الفرحة في عيون أحدهم!
بدا لي (صالح) أشبه بطفل جاءوه بهدية يحبها، أو كان يتمناها، وهو الذي يدنو من الخمسين، وشاب أكثر شعر رأسه،

وامتلأ وجهه بالتجاعيد، كان يبدو أكبر من سنه للجميع، لكنه اليوم بدا كطفل في السابعة، حتى أنه راح يحتفل كطفل في السابعة بالفعل، حيث طفق يتواثب ويصفق، ويصدر أصواتًا تدل على الفرح كالتي يصدرها الأطفال،

وبالطبع شاركه الجميع هذا الاحتفال الطفولي!
في الحقيقة لا ألومه أبدًا، فهو ملقى ها هنا في السجن منذ ما يقرب من خمس عشرة سنة،

وقد علم اليوم أنهم سيطلقون سراحه خلال أيام قليلة، فكيف لا يفرح ويتواثب كالأطفال؟!

خمسة عشرة سنة! يا لها من مدة طويلة، كيف استطاع الصمود كل هذه السنين؟

لكن السؤال الحقيقي الذي كان يشغلني: هل بوسعي الصمود مثله، وأنا محكوم عليّ بنفس المدة؟
علمت أن (صالح) دخل السجن وكان عمر أصغر أبنائه أربع سنوات، وهذا يعني أن عمر هذا الابن الآن يدنو من العشرين،

هذا يعمق الإحساس بطول المدة التي قضاها هنا، أربع سنوات يعني بالكاد كان يتكلم، وبالكاد كان يركض، الآن صار شابًا يافعًا!
لكني لا أعرف بعد: هل فرحة (صالح) هذه الأيام – قبل خروجه – أكبر، أم فرحته بعد خروجه إلى الهواء الطلق؟

هناك أشياء نفرح كثيرًا بقرب قدومها، لكنها حين تأتي لا تحمل لنا ذاك القدر من السعادة التي كنا نأملها ونترقبها!
لكن (الحسيني) كالعادة كان له زاوية نظر مختلفة عنا، قال لي:-

– “أنا سعيد لأنه سعيد، هذا يعني أنه لن يصاب برهاب الحرية!”

وقبل أن أستفهم عن معنى ما قاله، تطوع بالشرح قائلًا:-
– “حين يقضي الإنسان زمنًا طويلًا بالسجن قد يتواءم مع جدرانه وقضبانه، وتتولد لديه رهبة من العالم الخارجي،

مما يجعله يتمسك ببقائه في السجن، وربما يتوسل – أو حتى يحارب – من أجل الاستمرار به، ومنع خروجه!”
يا إلهي! هل ما يقوله صحيح؟! لقد ملأني حديثه رعبًا، وأنا أتخيل نفسي بعد مرور سنوات عقوبتي، أرفض الخروج لأني أخشى العالم الخارجي!!
قررت أن أبتعد عن محادثة (الحسيني)، وملازمة (صالح) هذه الأيام، على الأقل ملازمة هذا الأخير ستملؤني بالبهجة!
قال لي (صالح) بلهجة ودود:-

– “أعطني عنوان أهلك..”

تعجبت من الطلب، وتساءلت:-
– “لماذا؟!”
تردد قليلًا ثم قال بطيبة وشفقة:-
– “يا بني، أنت معنا بالعنبر منذ عدة أشهر، وقد لاحظنا جميعًا أنك الوحيد من بيننا الذي لا تأتيه زيارات!”
تبًا! هذا صحيح جدًا!

الزيارة الوحيدة التي جاءتني في الشهر الأول من سجني كانت من صديقي (عاطف)، حاول أن يطمئنني بان المحامي بدأ إجراءات الاستئناف، وثمة أمل في تخفيض العقوبة على الأقل، ثم انقطع (عاطف) عن زيارتي بعدها..

كلهم هنا يتمتعون بزيارات خاصة من أهاليهم، ومقابلات خاصة بزوجاتهم، ليس لي زوجة، لكن يفترض أن لي أهلًا وعائلة!

إلا أنهم أدانوني جميعًا قبل أن تدينني المحكمة!

– “سأذهب إليهم، وأجلس معهم، وألين قلوبهم من جهتك!”
هل بلغ بي الأمر هذا الحد؟ الغريب يشفق عليّ، وأبي وأمي وإخوتي لا!

أنا واثق من أن أمي تبكيني ليل نهار، وتريد زيارتي، لكن مرضها من جهة، ورفض أبي القاطع من جهة أخرى يحولان بينها وبيني، ولكن ماذا عن إخوتي؟ لماذا لا يفعلها أحدهم ولو خفية بدون علم والدي؟

الإجابة معروفة: لقد تبرءوا مني، تبرءوا مني لأنهم أدانوني، ولن يصدقوا أبدًا أني بريء، وتم التغرير بي!
مؤكد أن أبي يشعر بالخزي والعار بين أهالي الحي، ويتمنى لو لم يكن أنجبني،

إنه “دقة قديمة” بحكم جذوره الصعيدية، والشرف والسمعة عنده أهم حتى من أولاده، وقد حدثت الفضيحة من جرائي أنا،

لن يحاول أن يتثبت من براءتي، أصدر حكمه عليّ قبل المحكمة، الزيارة الوحيدة التي حظيت بها منه كان بعد القبض عليّ بأيام قليلة، بعد تحويلي إلى النيابة، التي أمرت بحبسي على ذمة التحقيق،

واللقاء كله تلخص في كلمتين: التوبيخ والتكذيب! لم يرد أن يصدق أبدًا أني بريء!
– “شكرًا لك يا عم (صالح)، لا داعي لأن تتعب نفسك بلا فائدة!”
لكنه مصمم على هذه الخدمة:-

– “يا بني، الزمن يلين الصخر، والجفاء كالنار، مع الوقت يضعف حتى ينطفئ، دعني أقم بمحاولتي، عن نفسي لن أخسر شيئًا، وبإذن الله سأعود لزيارتك بصحبة والدك وبعض أهلك، فقط أعطني العنوان..”
ليكن يا عم (صالح).. هاك العنوان، ولكني لن أراهن على شيء!

لمتابعة المزيد من أعمال  جابر القصاص بــ موقع اوراق عربية / روايات – قصص مسلسلة 

لمتابعة المزيد من الأعمال بـ روايات – قصص مسلسلة / موقع اوراق عربية علي فيسبوك 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق