روايات مُسلسلةمنتدي أوراق عربية

جابر القصاص لـ موقع أوراق عربية …. المُحاكمة – قصة مُسلسلة ج 8

 

ديكاميرون!

الدور عليّ الليلة لأحكي شيئًا، لكني منذ أيام أعتصر ذهني بحثًا عن أي شيء يصلح لهذه الأمسية ولم أجد شيئًا بعد!

لقد أتاني الدور مرارًا قبل ذلك، وفي كل مرة كنت أحكي بعضًا من ذكريات طفولتي، حتى نفدت مني الحكايا، ولا أجد شيئًا جديدًا صالحًا للحكي!

أنا عامةً لست متحدثًا جيدًا، وأفتقد لكثير من اللباقة، كما أني لست مستمعًا جيدًا أيضًا، وأضيق بالاستماع للآخرين،

وأملُّ بسرعة من ذلك، لكني مطالب الليلة بأن أحكي شيئًا، أي شيء..

جاءني (الحسيني) في الظهيرة يذكرني بالدور

 

فقلت له:– “في الغالب سأتنازل عن الدور لأي شخص آخر، فلست مستعدًا لهذا الليلة!”

لكنه أصرّ، وقال:-

– “لم يحدث أن تنازل أحدهم عن دوره، فلا تكن أنت البادئ، وتفسد الأمر، وربما نجد آخرين يفعلون مثلك كل ليلة”

هذا لا يعنيني في شيء، إنها لعبتك أنت، ولم أعد متحمسًا لها، قلت لأحسم الأمر:-

– “سأكلم (رمضان) لينوب عني الليلة، سيفرح بهذا كثيرًا، فلديه رصيد كبير من المغامرات العاطفية والجنسية ليحكيها، إن كنتَ ممن يصدق ما يحكيه!”

ابتسم وقال:-

– “وهل تظن أن أحدًا يصدق؟ انظر إلى كرشه المنبعج، ممانعة أنسولين، كوليسترول، دهون، ولا نستبعد السكر أبدًا، إنه ضعيف، ضعيف.. لكنه يخفي ضعفه بحكايات مختلقة عن فحولته الوهمية”..

غمز بعينه وهو يستطرد:-

– “كلهم يفعلون هذا!”

ضرب على كتفي وقال وهو يمضي مبتعدًا:-

– “فكر في شيء تحكيه لنا!”

تبًا! أنا حقًا لا أريد هذا، وليس عندي ما أحكيه، وعن أي شيء أحكي؟

عن أسرتي التي تبرأت مني؟ لي شقيقان أصغر مني، لم يفكر أحدهم حتى في زيارتي خلسة من وراء أبي، لي شقيقتان إحداهما متزوجة، لم تحاول الكبرى حتى دفع زوجها لزيارتي، وهو بالتأكيد ليس واقعًا تحت سيطرة أبي!

ترى كيف حال أمي الآن؟ هل هي حية أم ماتت ولم يخبرني أحد؟ لقد انقطعت كل صلتي تمامًا بالعالم الخارجي الذي يخصني، ربما لو حدث زلزال باليابان قد أسمع به، لكن لو مرض أحد من أسرتي بالإنفلونزا لن أعرف بمرضه على الإطلاق!

هل أحكي لهم عن (وفاء) حبي الوحيد الضائع؟

الحقيقة المؤكدة أني لم أعد أملك أي شيء أقدمه لنفسي – فضلًا عن الآخرين – حتى الحكايا! كذلك لا أملك القدرة على اختلاق حكايا لم تحدث كما يفعل الآخرون!

أنا الشخص الذي خسر كل شيء، وفقد كل شيء، وهُزم في كل شيء! لم يعد عندي أمل، ولا حلم، ولا رهان على أي شيء، ولا رغبة في أي شيء!

فليذهب (الحسيني)، وسهراته، وأيامه العشر إلى الجحيم!

 

الإضاءة خافتة جدًا، فقط بعض النور الذي يتسلل من بين القضبان،

منبعثًا من مصباح باهت معلق بسقف الطرقة الخارجية، لكن عيونهم كانت تلتمع بالترقب والانتظار!

أول ما تكتسبه من حياة السجن: القدرة على الرؤية في الظلام الدامس، ويكفي أقل شعاع من الضوء

ليمنحك رؤية جيدة لما حولك، وهكذا استطعت أن أتفرس في ملامحهم، وأبصر السأم في عيون البعض،

والحماسة في عيون آخرين!

ديكاميرون.. إنه دوري أنا لأحكي، وكنت أبحث عن بداية مناسبة حين أتاني صوت (مدكور) متعجلًا:-

– “هيا احكِ.. أريد أن أنام!”

المشكلة أنه ينام دائمًا أثناء الحكي، ونوقظه بصعوبة كي يتوجه إلى سريره، وبالتالي لن يفرق معه أن أبادر بالحكي،

أو أتأخر فيه! لكني أرى من الترقب في عيون الآخرين ما يحضني على البدء بأسرع ما يمكنني، دون حتى أن أتلقى إشارة البدء من (الحسيني) الذي يبدو كحكم ساحة في مباراة كرة، لكنه أعطى لي الإشارة على أية حال، قائلًا:-

– “هيا ابدأ..”

وبدأت في الحال!

لمتابعة المزيد من أعمال  جابر القصاص بــ موقع اوراق عربية / روايات – قصص مسلسلة 

لمتابعة المزيد من الأعمال بـ روايات – قصص مسلسلة / موقع اوراق عربية علي فيسبوك 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق