روايات مُسلسلةمنتدي أوراق عربية

جابر القصاص لـ موقع أوراق عربية …. المُحاكمة – قصة مُسلسلة  ج5

جابر القصاص لـ موقع أوراق عربية …. المُحاكمة – قصة مُسلسلة  ج5

– “ديكاميرون!”
هكذا نطقها بطريقة غامضة، جعلت الجميع – وأنا بينهم – ينظرون إليه بجهل وغباء!
رددها مرة أخرى، بذات الطريقة:-
– “ديكاميرون!”
ودون أن يسأله أحد تطوع للجواب والتوضيح:-
– “(الأيام العشرة) باليونانية، كتبها (جيوفاني بوكاتشيو) – كاتب إيطالي – تدور أحداثها في زمن وقوع الوباء في فلورنسا،

حيث فر ثلاثة فتيان، وسبع فتيات من الموت الأسود إلى خارج المدينة، وتحصنوا بمنزل منعزل،

وأرادوا تسلية أنفسهم في أمسيات العزلة بسرد القصص والحكايات حتى ينتهي الوباء..”

ما زلنا ننظر إليه بجهل وغباء، فأضاف بصورة مباشرة:-

– “هذا ما أقترح عليكم أن نفعله هنا!”
لسنا فارين من وباء، بل مسجونين لمدد متفاوتة، ذلك المدعو (الحسيني) يريد استعراض ثقافته علينا،

طبعًا اقتراحه قوبل منذ البداية بالاستنكار، لا بل بالاستهزاء، أخذ نصيبًا وافرًا من التهكم والسخرية، فلم نكن بحاجة لاقتراحه هذا، فنحن لا نفعل شيئًا بالسجن سوى النوم والثرثرة،

وسرد الحكايات عن الماضي السعيد الذي كنا فيه في الهواء الطلق، لتمضية وقتنا الذي يمر ببطء السلحفاء، لكنه كان يريد ممارسة هذه الثرثرة بشكل أكثر تنظيمًا وجماعية،

فبدلًا من أن ننقسم لحلقات ومجموعات متفرقة ننضم معًا لنشكل مجموعة واحدة،

واحد منها فقط هو الذي يحكي، والباقون يستمعون باهتمام، ثم نتناوب أدوار الحكي وفق ترتيب معين!
لكنه لم يأبه باستهزائنا، ونجح في إقناع مجموعة صغيرة بفكرته، ودعاني للانضمام إليها، ولبيت الدعوة بالفعل،

لكن المجموعة أخذت في الاتساع تدريجيًا لتشمل العنبر كله بالنهاية، والذين سخروا منه بالأمس تحمسوا للفكرة فيما بعد، وأنا واحد منهم،

حتى أن أحدنا كان ينتظر دوره بلهفة، وخلال هذا الانتظار يبحث في ذاكرته وذهنه عما سيحكيه للآخرين، ويدرب نفسه على سرده بطريقة جيدة تنال استحسانهم!

عن نفسي لم أكن أصدق – ولا أستسيغ – أكثر ما يحكى هنا، فـ (الشيمي) لا يفتأ يحكي عن معاركه البطولية التي أظهر فيها قوته وشجاعته، وكيف تمكن من ضرب خمسة – أو أكثر – بمفرده في بعض تلك المعارك،

و(رمضان) استغرق في الحكي عن مغامراته العاطفية والجنسية،

أما (حمزة) فكان يتباهى بجرائمه التي ارتكبها من تكسير وتحطيم وإتلاف واعتداء على الغير، وصلت إلى حد القتل،

ويتباهى أكثر بإفلاته من العقوبة في أكثر هذه الجرائم….!

كان (الحسيني) يستمع إلى كل هذا بحماسة غريبة،

بل كان لا يكتفي بالاستماع، وإنما يقوم بتشجيعهم، وأحيانًا تصحيح عباراتهم، وأحيانًا أخرى التعقيب أو التخمين لما يحدث تاليًا، وهذا ما أكسبه شعبية جارفة في العنبر، وانتقلت هذه الشعبية إلى العنابر المجاورة،

حتى كان البعض من سجناء العنابر الأخرى يطلب – مازحًا – اقتراضه منا بعض الليالي!
أنا نفسي تغير انطباعي عنه عما كان عليه في بادئ الأمر، فقد كنت في البداية أراه مجرد شخص يدعي الثقافة، ويميل إلى استعراض معلوماته على الآخرين،

مع التظاهر بالعمق والحكمة طيلة الوقت، وأنا أمقت هذا النوع من الناس كثيرًا، لكني مع الوقت بدأت أكتشف أن هذه طبيعته فعلًا، ولا يتصنعها،

وأنه من النوع الذي يميل دائمًا إلى مساعدة الآخرين،

وأذكر مرة أني سألته:-
– “هل تصدق ما يحكونه هنا؟ أعني في هذه الحلقات التي نعقدها كل ليلة؟”
أجاب ببساطة:-
– “بالطبع لا.. لكن ليس هذا هو المراد، المهم أن يستغرقوا في الحكي، بغض النظر عن الموضوع أو الفحوى!”
تساءلت في حيرة:-
– “تعني التسلية، مهما كان ما يحكى فيها؟”
قال بحسم:-
– “بل أعني التفريغ.. كل السجناء هنا يعانون من ضغوط رهيبة: يأس – إحباط – غضب – إحساس بالظلم – بالمهانة – بالفقد – بالحنين – بالخزي..

كل هذا يضع ضغوطًا رهيبة على عواتقهم، وهذه الضغوط لا يمكنهم تفريغها على السجانين،

وإنما على بعضهم البعض، المهم أن نجد الطريقة الملائمة لهذا التفريغ، بديلًا عن المشاحنات والعراك!”

فهمت الآن.. إنها زاوية لم تخطر على بالي قط! وقد لاحظت آثارها في الواقع، فـ (الشيمي) و(حمزة) كانا لا يطيق أحدهما الآخر، ويتعاركان على أتفه الأسباب،

لكنهما كفا عن ذلك منذ بدأت هذه الحلقات، لقد أصبح العنبر كله أكثر ودًا وانسجامًا منذ بدأنا هذا الأمر،

وهذا بالتأكيد يحسب لصاحبنا (الحسيني)!
أتأمله ببنيانه النحيل، وسمته الوقور الواعي، أشعر بالدهشة لأنه مدان بجريمة قتل،

ووددت لو سألته عن حقيقة هذا، لكني أتحرج من الخوض في هذا الأمور، وقد حانت الفرصة ذات يوم ونحن معًا بفناء السجن.

لمتابعة المزيد من أعمال  جابر القصاص بــ موقع اوراق عربية / روايات – قصص مسلسلة 

لمتابعة المزيد من الأعمال بـ موقع اوراق عربية / روايات – قصص مسلسلة علي فيسبوك 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق