منتدي أوراق عربيةمنتدي القصة القصيرة

زهير بوعزاوي بكتب لموقع أوراق عربية …. الفستان ج 1 – قصة قصيرة

زهير بوعزاوي بكتب لـ موقع أوراق عربية …. الفستان – قصة قصيرة

إن رؤية النجوم من موضعي هذا الذي أتمدد فيه، مختلف عن تأملها من أماكن أخرى من قبل باقي البشر،

نراها وهي منقوشة على صفحة السماء الشاسعة والموحدة، وضوء القمر الساطع ينير سواد الكون، لكن البقية تراها من سطوح قصورها، أو على ظهور يخوتها…

لكن أنا أراها من أسفل نقطة في المدينة، من على الأرض التى أفترشها بالكراتين وبعض الملايات التي يتأكلها البلى، متوسداً حائط متجر تباع فيه الفساتين الخاصة بالعرائس وتجهيزاتهن،

ألفت هذا المكان كثيرا، وقد أصبح ملجئي الوحيد، قضيت فيه ما لم تعد ذاكرتي تتذكره من سنين،

بعد أن غادرت وطني الأم، تاركاً خلفي ذكريات قديمة فيه وصنعت جديدة هنا.

على صوت فتح صاحب المحل للقفل، واصطكاك الأبواب وانزلاق المزلاج، أستيقظ كما العادة،

يلقي تحية السلام علي وأرد بمثلها عليه، كان رجلاً قصير القامة نحيفها، داكن البشرة، ذي أنفٍ أقنى،

على سحنته رسمت علامات الفرح، بشوش ومرح، وطيب الخصال وحميدها،

لم يطردني من أمام محله منذ أن جئت أول مرة، بل يقدم يد العون لي دائما، ولم يقصر في حقي أبدا، وهو قادم من بيته البعيد يحضر معه سلة فيها أشهى فطور لم أتذوق مثيله منذ سنوات خلت حين غادرت منزلي مكرهاً لا مخيراً،

يناولني شق خبز محمص مغطى بالعسل، وكوب قهوة بالحليب الشهية، رائحتها الطيبة دليل على أن ماهرة الأنامل من حضرتها، يسألني وأنا أفترس الأكل كمن لم يذق النعمة منذ مدة طويلة،

ببحة صوته الهادل الذي يلامس وجداني، ويجعل أذاني صاغية له:

من أين جئت؟ وما السبب الذي أوصلك إلى هذه الحالة؟

أمتنع عن الإجابة، والغموض يحوم حولي، وفضوله هو يزيد كل يوم، بعد الإنتهاء من الوجبة، ألملم فراشي،

وأجمع أسمالي على شكل كومة، وآلفها ببعضها البعض، وأختار لها في المحل بعد أن أذن لي صاحبه، ركنا قاصياً،

ويغطيها بإزار حتى لاتنكشف وتشمئز من منظرها النساء، حتى أعود في المساء أخرجها لأنام عليها.

تحت أشعة الشمس المنبثقة أخرج، ووجهتي حددتها إلى تل يقع خارج المدينة لمدة نصف ساعة مشيا على الأقدام،

يشبه الذي كنت أقصده فيما مضى، في طريقي إليه، ألتقي مع نسائم الصباح الشقية،

وأداعب السنابل الخضراء بأصابعي، وأتسلق أشجار التوت الباسقة لأقطف فاكهتها، وعلى إيقاع صفير البلابل و

زقزقة العصافير أرقص وأغني،

أرمي بصري على طول المروج الخضراء المتموجة على هبوب رياح شرقية،

كأنها راقصة الباليه تؤدي رقصتها فوق ركح الإستعراض، أمر على جدول صغير، مصدر مائه النقي يأتي من عين تحت جبل بعيد، يمتاز بحلاوته وصفائه، أغرف منه القليل براحة يدي لأغتسل به،

وأرتوي كذلك، واصلت المسير حتى بلغت مقصدي، وضعت ثقل جسدي فوق صخرة الصيوان الصلدة، وأسندت كتفيّ إلى جذع مبتور الأغصان، جلست هناك أطرد العياء والتعب، جرًّرت من مخلاة أحملها سجارتين، خ

بأتهما هناك لمدة شهرين وأعواد ثقاب مبعثرة داخلها، من أجل هذه القِعْدَةُ الشاعرية، بدا التل موحشاً هذه المرة، و

خاليا من الحياة، على عكس المرات التي كنت أزوره فيها منذ أربع سنوات، ومهجور إلا من الأجمات وبقايا الأشجار،

تنهدت تنهيدة مليئة بالوجع، أطرح على إثرها كل الهواء المشحون بالمعاناة من صدري، شيعت ذكريات مضت،

وطفقت مخيلتي تسترجع أحداثاً مرت، عدت للوراء سنوات عجاف، حين كنت أنا وميرڤيت نحب بعضنا،

تلك الشقراء الشقية، ذات العيون الغجرية، ممشوقة القوام، وجميلة السمات،

كانت النور الذي يضيء العتمة المجتاحة لكياني، وهي المرأة التي أعادت صياغة حياتي من جديد،

وقد أنقذتني من الموت، وغيرت فكرة الإنتحار التي كنت على وشك الإقدام عليها،

بسبب البؤس والمرض اللذان تكتفا ضدي في مرحلة من مراحل شبابي الطائشة، وانتشلتني منهما،

تعرفت عليها صدفة في معرض للكتب،

وقد كان هذا أول قاسم مشترك بيننا والسبب الذي جذبني إليها للوهلة الأولى، تربصت بها بين جموع الناس وصفوفهم الطويلة، أتحين فرصة الإنقضاض عليها،

حدجتني بنظرة تعبر عن موافقتها قبل أن أحدثها، أخذت المبادرة بسرعة فالحب لا يعرف التريث أو التراجع،

بل الإندفاع والشجاعة للظفر بمن تريد، وقفت أمامها منتصباً كعمود الإنارة، انعقد لساني من شدة الخجل،

واحمرت وجنتيها هي، تلعثمت وتأتأت بالكاد استطعت نطق بعض الكلمات المتقطعة هل تقبلين دعوتي لنشرب كوب قهوة معاً؟ قلتها وعلامة الإرتجاف بادية علي، تصبب العرق من جبيني،

وأحسست بالحر الشديد، رغم برودة الجو ذاك اليوم، لم يهنأ بالي،

وجفلت متسمرا مكاني، إلا عندما أبدت قبولها لطلبي، وانفرجت أساريري، وتغير لون وجهي من الخوف إلى الفرح، وابتسمت ابتسامة المنتصر في الحرب رغم قلة جنوده وزاده، مشينا معاً صوب المقهى القريب من المعرض،

طلبت من النادل فنجان قهوة، وطلبتها ميرڤيت أيضا، لتكسر بذلك العرف الذي يقضي بطلب الإناث للعصير،

سألتها مستغرباً: لمَ القهوة بدل العصير؟

إن الحياة مُرَّة كالعلقم، لذلك أفضل القهوة مادام طعمها مراً أيضاً، فإذا صدمني الزمن يوماً ستجدني قد تذوقت المرارة قبله، ولن يضعفني.

صمتت برهة، وقد بدا لي جوابها عميقاً وفلسفيا،

يحتاج لحظة من الإنفراد والإختلاء بالذات،

من أجل تفكيكه والتأمل في معانيه، وربما قد أخلص إلى فهمه، كَسر رنين هاتفها،

هذا الهدوء المطبق، وكانت والدتها على الهاتف، كما أخبرتني وهي تحرك شفتيها دون صوت،

تطلب منها العودة إلى البيت فقد تأخرت كثيراً،

تبادلنا أرقام الهواتف والأسماء وكل الشغف، ومن هنا انطلقت شرارة الحب بيننا، غادرت وعدت أنا أدراجي إلى المنزل،

وحددنا موعداً آخر لنلتقي فيه. مرت الأيام ونحن على هذه الحال، تواعدنا في الكثير من الأمكنة،

قبل أن يستقر اختيارنا على تل خارج المدينة، نلتقي هناك وننثر بذور حبنا، نتبادل الأغاني والكتب،

كم كتبت من أشعار أمدح عينيها، وكم من قصيدة نظمت بيديها الناعمتين بيوتها، تُقَيِّدُنِي قوافيها المقيدة، وفي بحورها الخليلية أسبح دون خوف،

وكان رويها الموحد بأول حرف من اسمي، كلما أخبرت أصدقائي أنني أصبحت قصيدة إحداهن وعنوانها،

يكشرون عن أنيابهم غضباً ويبغضونني كثيراً، ويمطرونني بوابل من الإستهزاء

وإن كان الأمر مزحاً، لأول مرة أقرأ بعض الأسطر وهي مكتوبة إلي، حين كنت من قبل أقرؤها وهي موجهة للآخرين،

تملكتني السعادة حين أبدت فتاة جميلة مثل ميرڤيت اهتمامها بي، وأحبتني لالشيء فقط لأنني أنا،

مرت على علاقتنا شهرين، إتفقنا أن نخبر أهلنا بها، ونتزوج في ذات اليوم، أتذكر فرحتها الممزوجة بقفزاتها الرشيقة كالغزالة، وعناقها الدافئ وتلك القبلة التي ألصقت بها أحمر شفاهها على شفاهي،

لدرجة أنني لم أتناول عشائي تلك الليلة مخافة أن يمحى أثرها، وبقيت أتغذى على أطلالها حتى الصباح، أشتاق لكل ذكرى قضيتها برفقتها في التل الذي يحتفظ بكل تفاصيلنا، وأسرارنا.. والبوح والإعترافات التي كنا نتشاطرها

، قاطع الرعد المزمجر ذكرياتي وأعادني إلى الحاضر الكئيب، تلبدت السماء واجتاحتها الغيوم السوداء،

تعلن عن غزارة المطر هذا المساء، وقفت مستعدا للأوبة إلى المحل، وأتجنب البلل لأنني لا أملك ملابسا أغير بها هذه،

تركت الذكريات خلفي في التل ربما تسعفني فرصة أخرى لأسردها كاملة، وعدت أجر أذيال الوحدة،

سريع الخطوات أمشي حيناً، ومهرولا في الكثير من الأحيان، حتى بلغت المحل وقد كان صاحبه على وشك الإغلاق،

قال وهو يربت على كتفي …

يتبع

 لمتابعة المزيد من الأعمال / موقع أوراق عربية ، قصة قصيرة  

 لمتابعة المزيد  علي موقع أوراق عربية – قصة قصيرة  فيسبوك 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق