منتدي أوراق عربيةمنتدي القصة القصيرة

حامد بدر لأوراق عربية … حين يعزف الشيطان.. قصة قصيرة

هل تدرون كيقف يعزفُ الشيطان؟ ..

هل تدرون كيف يمسكُ بقيثارته متقنا لكل نفاصيلها،

عالِمًا بكل معاني النبضات الصارخة، متنقلاً بين السلالم الموسيقية تنقل المدرك وما هوبمدرك.

ذلك الهدوء العجيب الذي يعتمدُ عليه الساحر في تقديم عرضه،

حيث الأضواء الخافتة،

ومساحيق التجميل المريبة التي تصبغ وجهه،

وأصوات المؤثرات الخالية من الروح،

المضفية لكل ما هو مريب،

يسحِرُ أعينَ الناس، يستجلب نُهاهُم إليه،

مسغلاً فضولهم لرؤية ما يحيّر عقولهم،

ثم يشتت الإحساس نحو كل اتجاه، فتأتيه التصفيقات من كل صوب..

هكذا كان المشهد ..

لم تكن تلك الموسيقى الراقصة مصدرًا للسعادة، لكنها كانت محاولة ناحجة للفت انتباه الحاضرين،

حينما وقفت تلك السمراء ذات الجدائل زرقاء العينين،

ليلتف حولها أصحاب ألأذواق المختلفة، الذين لم يكونوا متفقين في ذلك المؤتمر البعيد في إحدى المدن الساحلية ليلاَ على شاطئ البحر.

لقد رفرف الثوب الأبيضُ الباهت الخالي من النصوع، رُغم نصاعته من الأتربة والطين، حول جسدها النحيل،

الذي أبدى أكثر مما أخفى، حتى بد جسدها من الثبات وكأنه صنم لم تلثمه الروح يومًا.
لقد كانت تسحر بنظراتها كل من نظرَ إليها أو أمعن بعينيه تفاصيلها، كانت تعزف على أوتار أطماع الحضور أكثر مما تعزفُ على قيثارتها الشيطانية،

كانت تعلو بترانيم تنافي كل ترانيم السلام التي اجتمع عليها العشاق،

كما كانت ترجو أن لا تُبلس هذه المرَّة، فلربما كانت الأبلسة إحدى طبائعها، رُغم انتصاراتها في الاحقاب السابقة،

لكنها كانت ولم يزل لديها شعورًا دفينًا بصرخات ترفض أصوات قِيثارتها.
لقد باتوا جميعًا طيلة اليومين السابقين منهمكين في إعداد كلمة واحدة حول الخلاص من الأزمة المزعومة،

بعد أن أتعبتهم كثرة الصيغ وتعقيدات المصطلحات،

فلم يصلوا إلى سبيلهم. لقد كانت كل السبل مغلقة على العقول،

لا لاستحالة إيجاد الحل أو الحلِّيَّة،

ولكن ربما لأن حدود الأفق قد تحكمها الكثير والكثير من القيود والمحاذير أن تبلغ عنانًا غير مُصرّح به لها.

كانت الأجواء مضطربة، يملأها الكثير من الغضب والكثير من الحماسة،

التي أغضبت أصحاب السعادة، حيث رفضوا العشق الأبدي المُتيَّمه به قلوب الذين استرقوا الحياة من مخالب الأشرار الرافضين لوجود الخير.

لقد كانت القضية قضية إيمان وإثبات كيان أكثر مما هي أخذ ورد ،واختلاف، وجدال، وسجال مُرَّ تبكيه عيون المتفرجين الطامحين في غدٍ مُرضٍ، لقد كانت أقدس من أن تنتهي هكذا.

كان السجال المُشتت لا تقدرُ عليه أي محاولة رصينة،

لكن أنْغام مشتتة كانت قديرة على أن تجمع الحاضرين إلى كلمة غير سوء وغير سوَّية،

فقط مَنْطَقتْهَا القرَارَاتُ غير الآبهة بكل المشاعر الحارة الدفينة التي في قلوب النازفين شِعرًا إلى قِبلة شرقية وأبواق تناصر المجهولين والضيعى في هذا العالم.

لكن القيثارة الشيطانية كانت قد أدركت دروب المسامع،

وحلاوة وقع موسيقاها على هواء أصحابها التي تملّكت مسامعهم،

فانصرفوا إليها غير ناظرين بعيونهم التي صارت كـ “كاميرا فوتوغرافية” تلتقط مشاهد لا حركة فيها،

لا تنطق فيها غير اللحظة، التي سبقتها الكثير من اللحظات،

وتلتها الكقير من العبرات ويلحقها أكثر ما يلحقها الندم، لقد انصرفوا إليها بآذان لا تنسجم و الأوراد ولا الترانيم بل اعتادت الأصوات المختلطة لتؤدي وظيفة السمع.
وقف الجميع في مشهد يبدو عليه التنظيم،

متحمس إلى سماع قيثارتها اللافتة جدًا للانتباه،رُغم شذوذها عن الطباع الموسيقية التي ألفتها الأذن المنصتة، ذات الطبع الرصين، متحمِّسين لما ألقته علة مسامعهم،

دون أن يلتفتوا إلى صراخ بريء من بعيد ها أنا ذا أهْدِيْكم مُرَادَكم.

لقد زينت موسيقى هذه الشيطانة كل ما أقرُّه الحاضرون من تشويه العشق النقي السامي فوق الماديات،

حيث غلبت غوغائية المشهد كل المواثيق والأعراف التي اتفق عليها العقلاء.
أنهت زرقاء العينين صاحبة الرداء الباهت معزوفتها،

فانخلعت الأقبعة والعمائم على مختلف ألوانها وشاكلتها من كل مكان تحيي أدائها وتهلل وتقطعت الايادي من التصفيق، لتشعر بنشوة الانتصار،

وبرُغم ما كانت تعلم من أن لحنها الوليد سينال الإعجاب،

لكنها كانت أشد ما تكره أن تُجبر على الخنوع أمام الجميع أو أن تُطرد من جنَّة أرادت لها أن تكونَ جحيمًا على الضعفاء ووقودًا لآخرين.
حين يعزفُ الشيطان يكون مُدركًا جيدًا لمهارة العزف على رغائب وميول الذين يعزفُ لهم،

فهم أكثر شيطنةً منه، تطرب آذانهم لموسيقاه فهم الذين لا يألون الراحة أبدًا، حيثُ يُرهِقون قلوبَ من أتى بعدهم يستمع إلى غيرها.
قد يبدو ما يُرى أن لا يُشترى يوشك أن يُبتاع سلعةً رخيصة،ة حين يُرادُ لحُرَماته الانتهاك أو يُرادُ له التسفيه،

قد يبدو كذلك أو حين يعزفُ الشيطان.

لمتابعة المزيد من كتابات حامد بدر  / موقع أوراق عربية -قصص قصيرة 

لمتابعة المزيد من الأعمال بـ موقع  أوراق عربية علي فيسبوك 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق