منتدي أوراق عربيةمنتدي القصة القصيرة

حامد بدر لموقع أوراق عربية …. من هنا مرَّ مسيح – قصة قصيرة

حامد بدر لـ موقع أوراق عربية …. من هنا مرَّ مسيح – قصة قصيرة

 

الليل الطويل، ليس أطول من انتظار ساعات الصباح وقد أرَّقك الفكر والشرود وتوارد الخواطر الذي لا ينضب كماء يسيل من مجرى لا يجف، حتى تحظى بإحدى الحسنيين،

إما بزوخ شمس الله على أرضه أو أن يغلبك النُعاس فتتنغمرُ في سُباتٍ عميق،

وحينها إما أن تتقاذفُك أمواجُ الأحلام إلى جزر بعيدة ووجوه حسناء أو أن تأتيك الكوابيس والجاثمات والجاثمون، فلا تقوى على حراك ولا لأن ترجع سوى بأن يوقظك أحدُهم..

هذا هو حال الليل في مشفى العزل، النائية على جانب إحدى المدن،

والتي اختُصَّت دون غيرها بحرسة مشددة وأسئلة عن حالتك الصحية حتى وإن كنت زائرًا،

وإجراءات سلامة ووقاية أفضل مما تجد عليه أي مشقى حكومي آخر، فلا تدخل إلا بتصريح موثَّق بخاتم الصحة،

ومحدد فيه ميعاد الوصول والزيارة التي لا تزيد عن الربع ساعة، والتي يُشترط فيها أن لا يكون الاتصال مباشرًا أو أن تقترب عما هو المسموح به لك، والتي غالبًا ما تكون خلف ألواح من الزجاج.
سافر بي البال من قبل أسبوع مضى، حيث لم تكن الظروف مُهيَّأة تمامًا .. حين تلقيت اتصالاً منذ ثلاثة أيام:
– أستاذ قاسم.
 نعم
– أنا الدكتور صادق، استشاري صدر بوزارة الصحة.
 أهلاً ..
– تذكر قمت بعمل مسح طبي بالأمس أثناء تواجدك بالعمل .. ؟
 أرد باهتام : نعم نعم ..
– أنت ممن شملهم المسح الطبي، وعليك الاستعداد للحضور لتلقي العلاج في فترة العزل،

جراء الإصابة بالفيروس COVID – 19
ما إن حصلت على العنوان حتى توجهت على الفور .. هناك..
هناك تم استقبالي في حفل طبي ليس هزيل، استمرت الفحوصات، وإجراءات السلامة والوقاية، واتخاذ تدابير التباعد الاجتماعي.. الحركة نشطة جدًا، والتعامل في إطار السرعة، وكأنهم يهيئون إنسانًا إلى مثوى.

تمت إجراءات الفحص بمهارة عالية، لا تقل عن مهارة المتمرس الذي قضى حياته كلها في التعامل مع مثل هذه الحالات، وبدأت في تبديل ملابسي بملابس العزل التي ما إن ارتديتها حتى أجهشتُ بالبكاء،

وسط محاولات الجميع من أجل تهدئتي وطمأنتي بأنني في حال أفضل بكثير من غيري،

وأنني سألتحق بغرفة تعد من الفئات غير شديدي الخطورة..
وبعد إقناعي .. دخلت غرفة مخصصة لعدد ست حالات واستلقيت على السرير بهدوء،ة ملثمًا بكمامة طبية (face mask)، التي تم توفيرها لي منذ الساعة الأولى التي وصلت بها إلى المشفى، لمنع انتقال الميكروبات،

التي تنتج إثر الرذاذ المنطلق من الفم، وسط عدد ممائل لأجهزة التنفس، وتحاور الأطباء وأفراد التمريض (الجيش الأبيض)، بمصطلحات لم أفهم معظمهما، لشدة اتصالها بالتخصص الطبي..
مرَّ اليوم وسط عدد من التحاليل وسحب العينات، والتي ما إن انتهت في التاسعة مساءًا حتى،

بدت الرتابة تتسلل إلى نفسي، لأنظر عن يميني فأجده قد جلس على السرير وبدأ يستفيق من نوم عميق، ليدر حوار بيننا كالتالي:
“قاسم وأنت؟ .. قُصي”، والذي علمتُ فيما بعده أنه كان يعمل بإحدى القطاعات الهندسية.
مرّت الليالي الأولى وقد تعارفنا أنا وقُصي، اتخذنا كل تدابير التباعد، لكنه كان في حالة من الشرود والهم الدائمين

لا يفتأ يؤثر الصمت على أن يرد عليّ في أحيان كثيرة، كنت أثرثر عسى أن يُنسيَ أحدنا الآخر همَّه وألمه

الذي استقر بصدري كلينا.. وحين أجد أن لا طائل منه ولا فائدة كنت أتوجه إلى هاتفي الجوَّال

أتابع حسابي عبر موقع الفيس بوك، أكتب التعليقات،

وأكثر من الدعاء عسى أن تنال إحدى الدعوات رضا الله فأخرج مما أنا فيه.
وفجأة صدمة .. أهالي قرية بكفر الدوار يرفضون دفن ضحية كورونا.. وأسرته تستدعي الشرطة..

كان هذا العنوان الذي ينبئ بخلاف الخير، متصدِّرًا أهم أخبار الموقع الذي كنت أتصفحه، لقد رفض أهالي البلدة دفن أم الطبيب، الذي يشغل موقع أخصائي بإحدى مستشفيات العزل، والذي من اختصاصه أن يقف حائط سد بوجه الجائحة..

استمررت في القراءة، وكأن التفاصيل تذبحني، وخلال متابعتي لاحظت أن (قُصي) شاردًا،

ولكن ليس شرود التائه أو السارح بخياله، بل الشارد فيما أقرأه وكأنني زدُت همَّه – عن غير قصد – همَّين،

وكأن مرارة ما قرأت قد قتلت ما كان بوجهه من سكونِ الاطمئنان أو الرصانة، ليتحول إلى سكون اليائس، الذي لا حيلة له..
استطردتُ: يا له من أمر سيء كيف يبلغ بالبشر كل هذه القسوة؟

لو تعلم يا رفيقي ؟ .. هذا الطبيب مُطالب أن يُقدِّر جهلَ الجاهلين أكثر من أن يحدُث العكس .. أتعلم يا قُصيّ؟

.. ربما يومًا ما سيدفع الكثيرون من الضعفاء ثمن خوف وهلع القرية أضعافًا من دمائهم .. تعلم متى نتفادى تلك الكارثة الخيالية؟

= قصي (في ذات الشرود): متى؟

– حين يموت الجهل، ويُعطى الوعي فُرصة للحياة، حين يعود الأمل في نفوس الناس،

حين تنكسرُ كل المخاوف وتحيا فينا روح الشجاعة، حين تكون العاطفة خدمة القلب فتسير به نحو صيرورة النهوض،

لا أن تقود العقل نحو متاهات المخاوف والجبن والتعنت، فتقوِّض إدراكه.

قضينا أغلب الوقت في العزل لا نتحادث، حتى غفت عيني، واستيقظت على صوت الممرضة وكأنها صوت ينادي من بعيد،

أو دخيل رتيب اختلطت نداءاته بلذة النوم: أستاذ .. أستاذ .. الدواء.
استفقت من النوم أنظر إلى عينيها من خلف اللُّثام، كانت بكامل هيئتها المعتادة تقف كما كل صباح تمسك بعضًا من أكياس المحاليل وتجهز الإبر التي من المقرر أن تغرسها لي في أوردة ذراعي، لكي ينفذ خلال – ما أسموه – الكانولا الطبية،

بعضًا من السوائل التي حوت أدوية، أخبرني طبيب بالأمس أنها مضادات حيوية أعلى كفاءة من تلك التي نستخدمها في المنزل.

لم أجد المهندس (قُصيّ) على سريره: أين قُصيَّ ؟

الممرضة .. صمت.
انتفضتُ مستفهمًا : هل مات ؟
نعم لقد مات صباحًا .. لم يحتمل الأزمة التنفسية التي أودت بحياته.. ادع له.
دخلت طبيبة تنظر في أسى: كيف سنخبر السائلين عنه .. هل سنقول مرّ من هنا ميت .. أم سنقول مرَّ من هنا من خاب أمله وضعفت نجواه؟

لم تتمالك نفسها واستطردت باكية: هل سنقول مرَّ من هنا الطبيب الماهر الذي نجح في علاج الحالات التي تعافت كليًّا؟
نعم لقد كان قُصيّ طبيبًا هنا في المشفى ولكنه، سقط منذ أسبوع مغشيًا عليه،

بعد تعرضه لأزمة صدرية حادة تم تشخيصها بأنها انتقال عدوى كورونا، وقضى أيامه معي في العزل دون أن يخبرني بحقيقة هُويته، فتتأثر حالتي النفسية أو ربما تنخفض معنوياتي التي لم تكن بأجود حال ..

استجمعتُ قواي ورددت عليها : لا.. لن نقول مرَّ من هنا طبيب، بل سنقول من هنا مر مسيح مخلِّص جاد بكل ما يملك من علمٍ وروح من أجل أن ينقذ الكثير أو القليل، من أجل أن ينقذ الساقطين في بئر الجائحة التي لا كانت على بال أحدهم ولم تدق خاطره يومًا..

لن نقول من هنا مرَّ الدكتور قُصيّ.. بل (من هنا مرَّ مسيح).

لمتابعة المزيد من كتابات حامد بدر  / موقع أوراق عربية -قصة قصيرة 

لمتابعة المزيد من الأعمال بـ موقع  أوراق عربية – قصة قصيرة  / علي فيسبوك 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق