منتدي أوراق عربيةمنتدي القصة القصيرة

هيام مهدي لموقع أوراق عربية ….. بقعة ضوء – قصة قصيرة

هيام مهدي لـ موقع أوراق عربية ….. بقعة ضوء – قصة قصيرة

استیقظت فجأة.. أخذت تلتفت یمینا ویسارا بوجھ ٍ خال من الحیاة باحثة عن ضوء.
كان المكان یقبع في عتمة تامة.. إحساس الموت یجتاح المكان كصیاد في انتظار دائم لفریستھ.. أغمضت جفونھا
محاولة الھروب للنوم مرة أخرى. ولكن النوم صار سرابا..
قالت لنفسھا:
یجب أن أبحث عن شمعة حتى تأتي الكھرباء.
لامست قدماھا الأرض بحذر تدرك كل جزء من البیت الذيتقطن بھ منذ عشرة أعوام، ولكن خطواتھا المتعثرة ترسل
معنى آخر كأنھا تسیر على منحدر تخشى السقوط..
وصلت إلى المطبخ لتنیر المكان بضوء باھت.. عندما عادت إلى غرفة نومھا بدأت تھدأ قلیلا.. نظرت في اتجاه
ابنتھا تنام بھدوء وثبات.. مشھد یرسل في النفس السكینة..
النوم من نِعم الله سھلة وممتنعة في الوقت ذاتھ. استعادت نفسھا كاملة.. وضعت رأسھا بین راحتیھا بدأت
تستعید أجزاء من ھذا الحلم اللیلي الذي احتواھا بتفاصیل أرھقتھا عندما تذكرتھا حاولت النوم عندما قفز فجأة لعقلھا
ھذا السؤال:

لماذا دائما أحلم؟

منذ الصغر وهي تعطي اهتماما لعالم الأحلام تعتقد في ھذا العالم بسحره وغموضھ.
لماذا ھذا الحلم یطاردني منذ فترة؟ ألقت على نفسھا ھذا السؤال.
منذ یومین كانت تجلس أمام التلفاز هي وزوجھا وابنتھا ، كان الكل في حالة صمت ما عدا طفلتھا التي كانت تلھو
بألعابھا وتعلق بین الحین والآخر على الفیلم.

كانت شاردة الذھن بعیدا.. أین؟ أو في ماذا كانت تفكر

عندما سمعت زوجھا یخرج عن صمتھ؟ انتزعت نفسھا من أفكارھا المضطربة وأصبحت حاضرة لتسمعھ یقول:
أصابني الصداع طوال الیوم كان العمل مرھقا.. میزانیة آخر العام كابوس.. تعلمي ذلك ألیس كذلك؟
لم ینتظر إجابة منھا بل سریعا واصل الكلام:
أرید كوبا من الشاي قبل أن أنام.
قال دون أن یلتفت أو یسمع أي تعلیق.
شعرت أنھ بصق بضع كلمات تسد منافذ الھواء عنھا دون أن یلقي بالاً لھا: أین؟
نظر إلیھا متسائلا عن المعنى.
ولكن لم یعقب فقد أدرك سؤالھا قال دون أن ینظر إلیھا: البنت مرتبطة بوجودك بجانبھا طوال اللیل

ردت في حسم:

ھذا أمر سھل سوف تعتاد على غرفتھا بعد قلیل ولكن في ھذا الوضع الحالي یحدث العكس..

كانت الجدیة في كلامھا بارزة بدأ علیھا الاهتمام ورغبة قویة في إیجاد إجابة كافیة.. صاغ كلامھ بكلمات رطبة ناعمة أخذ یقول
ویفسر ویشرح..

شعرت أنھ یلقي بتعاویذ وطلاسم لایستطیع فك ألغازھا سواه.. دیكتاتور یتحدث عن الحریة.
انتفض جسدھا من ھذا الاستغراق الكامل في التذكر
سمعت صوت غطیط نوم زوجھا في الغرفة الأخرى
الملاصق حائطھا لغرفة نومھا.. نظرت في اتجاه الشمعة
التي بدأت في الانتھاء:
قریبًا سیعم الظلام في یأس.
قالت جملتھا.
نظرت على ضوء شحیح إلى المنبھ: لم یتبقَ على بزوغ الفجر سوى ساعتین.. تمتمت لنفسھا.
أدركت في الحال أن الإرھاق سیحل صدیقا طوال الیوم إذ لم تستطع أن تسرق الباقي الزھید من اللیل..

أسدلت جفنیھا سریعا ونامت أسرع..

كیف تستطیع العین أن ترى وعضو البصر في غفوة.. ھل عقلھا یدیر معھا حوارًا وهي مسلوبة الفعل.
ولكنھا ترى نفسھا في ھذا المكان المتسع تقف وحیدة ، متحیرة إلى أین تسیر.. یمینا.. یسارا.. تعود إلى الخلف أم
تتقدم إلى الأمام.. ظلت ثابتة القدمین دون حِراك.

ظلام تام یحتضن المكان بإشباع سوى بقعة صغیرة جدا التي یكسوھا الضوء بقوة دائرة صغیرة تقف هي في
المنتصف ویحیط بھا من كل الأنحاء ضوء كاشف ساطع. امتد بصرھا قلیلا ھناك بقعة من الضوء أخرى كثفت كل
قواھا البصریة لترى زوجھا وابنتھا ینتظران ھناك ولكن
ھناك من یشاركھما ھذه الدائرة المشعة نھارا في وسط ھذا اللیل جسد آخر لا تستطیع أن تحدد ھل امرأة أم رجل؟
قطعا هي امرأة.. ھذا الجسد ھذه الانحناءات ھذه الأماكن البارزة في قوة تخبر بالحق.
صرخت تنادي على ابنتھا وزوجھا تستغیث كغریق قبل اللحظة الأخیرة من الاستسلام

وعاد صدى الصوت تائھا إلیھا:

ماما.. الساعة كام؟
أیقظھا صوت ابنتھا.
لم یكن متاح لھا في ھذا الوقت المبكر التفكیر.. كانت آلة مطیعة تؤدي المطلوب منھا في صمت تام وكفاءة عالیة.
سندوتشات ابنتھا.. توصیلھا لباص المدرسة.. قھوة زوجھا.. تودیعھ بابتسامة وتمنیات بالسلامة.
كل ما تفعلھ تكرار لا ینتھي ولا یتجدد یموت ببطء لینمو من جدید بنفس الشكل.
أسوأ أنواع الملل أن تمل من شيء لا تستطیع التخلي عنھ.

الملل من ذاتك.

الأفعال المتكررة من تنظیف المنزل لتحضیر الطعام تنتھك ساعات الیوم لا تترك سوى القلیل من الراحة تتلاشى هي
الأخرى في محادثات یومیة تبدأ في المعتاد بأمھا التي تجد متعة في الإنصات إلى شكواھا التي اكتست في
البدایة بحماسة وفرح لھذه الأذن المصغیة وتبدلت إلى حروف متشابكة تكون كلمات متناسقة ثم تبعثر لتعود
لتتشكل من جدید. ولكن لا تموت الرغبة في صوت الأم دائما تسأل وتبحث عن أكثر في سرادیب العبارات عسى أن یكون ھناك ما سقط سھوًا في ثرثرة یومیة.

دائما تطل الأسئلة أثناء حدیث الأم:
لماذا لا تمل من المشھد المعاد؟ لماذا ولو مرة واحدة تمنح إجابة عن كل الأسئلة التي تؤرقني؟ لماذا تتركني ألھث
دون أن تعترض طریقي حتى ألتقط انفاسي للحظات؟
ظلت الأسئلة تحاصر أفكارھا حتى انتھت المكالمة وأغلقت سماعة الھاتف.

أحضرت سیجارة من العلبة التي أخفتھا بعیدا عن الجمیع رغم أن زوجھا مدخن فھي لا تستطیع أن تعترف لھ بذلك..
في البدایة أخذت سیجارة منھ دون أن یلاحظ ولكن مع مرور الوقت أصبحت ھذه السیجارة المخفیة عن العیون هي
صدیقتھا الوفیة التي تبثھا شكواھا وهي تلثمھا بقوة لتمتص منھا نفسًا قویًا یملأ صدرھا ویزحف إلى عقلھا
في صمت یلملم كل الغضب الذي یقف كغمامة معتمة

بداخلھا لتنفثھ بقوة إلى الخارج..

فكرت أن تخبر زوجھا ذات مرة ولكنھا تراجعت في اللحظة الأخیرة.. ھذا سرھا
الصغیر ولن تبوح بھ تمددت بجسدھا علي السریر . وهي تنظر إلى سحب الدخان المنطلقة من ثغرھا وهي تتشكل
وتتمایل كامرأة ترقص بخفة ودلال ورغم الالتصاق الشدید

سرعان ما تزول السحب في الفراغ وتختفي. أخذتھا غفوة لتسقط ھنا في ھذا المكان مرة أخرى.. ولكن
للغرابة لم تكن مذعورة أو حائرة ھذه المرة.. في ھذا الظلام كانت تسیر في الحلم بواقعیة أكثر من كل مرة
سابقة أطلقت صوتھا تنادي على ابنتھا وزوجھا لم یلتفت إلیھا أحد.. ھرولت إلیھما.. تعثرت وسقطت.. شعرت
بالحصى الصغیر كإبر صغیرة تخترق كل جزء في صدرھا.. صرخت ..
وحیدة تتألم وكل ما حولھا صامت.. السكون مؤلم..

أخذت تتحسس جسدھا في وھن تحاول أن تزیل ما علق بجسدھا:
أنا عاریة..
كأن شفتیھا تحركتا بھذه الكلمة وهي نائمة.
نظرت في خجل مرة ثانیة لجسدھا التفت بذراعیھا كأخطبوط ضخم لا یملك سوى ذراعین ممتدین في الطول
تحیط جسدھا بھما.. تجزم أن ھناك عیونا خلف كل ھذه الظلمة تنظر إلیھا في نھم وجوع.. تحولت إلى وضع
جنین متكور على نفسھ.. تذكرت الأب، الأخ، الأم، الزوج، الجیران، الأصدقاء.. إذا رأھا أحد منھم! اھتز جسدھا
برجفة قویة لھذا الخاطر:

أنا عار على نفسي.. أھلي.. زوجي.. أین اختبئ؟ أین؟

كانت تنھمر على ذاتھا بالتقریع والسب.. انكمشت أكثر وأكثر كلما زادت بقعة الضوء حولھا زادت تكورًا وخجلاً
عندما لامست أنامل ناعمة ظھرھا بحنو لتتحول إلى ذراعین بدأتا تزحف من خلفھا.. أرادت بكل قوة أن تلتفت
لترى ھذا الوجھ الذي أخذھا بشدة إلیھ ولكن عجزت عن الحركة تجمدت في مكانھا.. رضیت.. واستسلمت بقعة
الضوء المنیرة خفت ضوؤھا شیئا فشیئا لیحل الظلام التام وهي ما زالت في وضع الجنین في انتظار المیلاد وھذان
الذراعان سند لھا في الانتظار

 لمتابعة المزيد من الأعمال / موقع أوراق عربية ، قصة قصيرة  

تابعوا أوراق عربية  علي فيسبوك 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق