منتدي أوراق عربيةمنتدي القصة القصيرة

هيثم سالم لموقع أوراق عربية ” الوصية الأخيرة ” قصة قصيرة

 

هيثم سالم لـ موقع أوراق عربية ” الوصية الأخيرة ” قصة قصيرة

جمَعَ الأب قبل موتة أولاده الثلاثة وبدأ يُملي على أكبرهم وصيَّته الأخيرة . إنه يُملي بصوتٍ متهدج والأولاد قد فتحوا أفواههم من الدهشة وكأنما يستمعون إلى شخصٍ آخر غير أبيهم الذي إعتادوا علية .
قال الرجل بصوتٍ مهدَّم: هُناك سرٌّ قدّ أخفيته عنكم طوال السنين الماضية

وهو ” كنز ثمين وجدته أثناء العمل في أرض الجبل “وقد أخفيتة عنكم خشية عليكم أن تتفرّقوا.

قاطعه صوتُ الأبن الأكبر مندهشاً: ماذا تقول يأبي؟!.
أكمل الأب قائلاً؛ فوصيتي أن يُباع الكنز وتُوزَّع نقُودة عليَّكم بالتساوي النصَّف الأول؛

أما النصف الثاني أن يُبنى به مستشفى وملاجئ ودار مسنين، وعليكم جميعاً إنشاء هذه المؤسسات الخيَّرية

ورعايتها لتكون صدقةً جارية، ينتفع بها المريض واليتيم والمحتاج .
أرتفع صوتُ الأبن الأكبر مُعترضاً: ولكن يا أبي لا أحداً منا له خبرة في هذه الأشياء.

إستمرَّ الأب يُملي بصوته المتهدّج: هذه وصيتي ويجب أنْ تُنفّذ وألا تخالفوها حتى أموت راضياً عنكم.

تلفَّت الأبناء كل واحد يتصفح وجه الآخر في إستغرابٍ

وعاد صوتُ الأبن الأكبر ليعرض: ليس هذا ما تعلمناه منك خلال خمسين سنة؛

لقد ربَّيتنا على أعمالٍ أخرى والآن تفاجِئنا بدور جديد لا نستطيع أن نقوم به،

أنت في حياتِك لم تحاول حتى تعليمنا كيف نُساعد غيرنا وبنهتم بأمرهم،

وكل ما تعلَّمناه منك هو كيف نزرعُ الأرض ونحرثُها ونريّها بالماء، كما علمتنا الخوف مدعياً أنه الأدب وتقبيل آيدي أسَّيادنا ليرضوا،

وأن الناس نوعان سادة وعبيد هم السَّادة ونحن…

وفي حزن قال “ونحنُ العبيد ”

هذا ما علَّمتنا خلال خمسين عاماً ولا نرى جديداً قد جدَّ حتى تقول لنا كلاماً آخر ،

وكما أخبرتك أنه لأ أحد منَّا لةُ خبرة في هذه الأشياء.

قال الأب في آسى “الجديد أني أموت، وغداً أصبح رمَّة يأكلها الدّود، أُغادر الدنيا كأني لم أكن، لكن أنتم حصادي فيها، وبفضَّلكم سيذكر إسَّمي كرمز للخير.
قال الأبن مستنكرا: هذا ليس أمراً جديداً علينا فكل يومٍ نرى الموت حولنا يختطِفُ أقربأنا وجيراننا واحداً بعد الآخر؛

يعملون في أرضهم حتى الموت؛ دون مقابل؛ ويرحلون كأنهم لم يأتوا، فالأنسان في بلدنا هذا بِلا قيمة تُذكر ودمَّةُ أرْخص من تلك الأرض الملعونة. والآن هذا الكلام عن المساعدة والعون وخدمة الوطن.

قال الأب بصوت مختنق

” لأن هذه المرة أنا الذي أعاني وأنا أنزفُ الدم من أعضائي وأموتُ ببطء وأصحو وأعود إلى الغيبوبة؛ والدقائق التي تبقَّت لي قليلة معدودة، لقد كنت أُغسَّلهم بيدي وأدفنهم وأمشي في جنازاتهم..

هذا صحيح ولكن رؤية الموت تختلف كثيراً عن تذوُّقه، الفارق كبير وأنا لا أُريدكم أنْ تذوقوه كما أذُوقه لأبد أن يتغير كلُّ شيءٍ لقد أخطأت يا أولادي ربّما إكتشفت خطئي بعد فوات الأوان ولكن هذا لا يغيّر شيئاً من النهاية، إن الخطأَ هو الخطأَ “.

أكمل في صرامة إسمعوا:هذه الوصَّية الأهم بالنسبة لي الآن، والمساعدات ستغير حياة الكثيرين،

هي التي يجب أن تُنفَّذ؛ هذا أمر.صمت قليلاً واكمل بجدية:

يجب أن تعلموا أن من يُخالف هذه الوصيَّة سوف يُعرض نفسة لخطورة كبيرة وآلم شديَّد لن يسَّتطيع تحمَّلة .

أشتدَّ الألم بالأب وبدأ يتأوة، فموعد الرحيل قدّ حان وأغمض عينية وتلفَّظ ببضع كلمات… التي جعلتهم يلتصقون بالجدران.

بينما تهدَّج صوت الرجل وهو ينطقُ: نعم ملعون، تبرعءء…!. وقبل أن يكمل كلمته إختنق صوته وراح يلهث ثم سكنَ فجأةً وسقط رأسه على صدره ولفَظ آخر أنفاسه في صمتٍ وعيناةُ تحمل الخوف والحزن معاً .

أطبقت لحظة صمت من الذهول والرعب على الجميع؛ لا حركة ولا شيءٍ سوى أنفاسٍ مُرتجفة ونبضات مضطربة ثم بدأ الأبن الأكبر يتحرك ويبكي ويلوِّح بيدية في الهواء ولا يجد كلاماً ثم ما لبث أن جمَعَ شتات نفسه فانفجر قائلاً:
لم يفعل شئ يُذكر في حياتة والآن وفي آخر لحظات حياته يأمرنا أن نكون ملائكة ورُسلاً للخير ،

هي أعراض هذيان بلا شك .

واستئنف قائلاً في نبرة أشد: إنه يخرج من غيبوبة ليعود إلى غيبوبة ولا يمكن أن يؤخذ كلامه على محمل الجد.

قال الأبن الأوسط في هدوء مريب:-

ولماذا لا يؤخذ كلامه على أنه حقيقة؟ ولما لا نذهب إلي المخبأ الذي أخبرنا به ونتيقن بأنفسنا؟!
فأجابه الأبن الأكبر في عصبية: كلام رجل على فراش الموت عاش حياته فقيراً رُبما يكون قد أصيب بالجنون .
قال الأبن الأصغر مؤيِّداً: فعلاً وما يؤكد ذلك ذكره تلك اللعنة التي تستوجب فعل الخير للإستنفاع بمال الكنز .
قال الأبن الأوسط بنفس النبرة الهادئة: لايمكن أن نتّهم أبانا بالجنون إلا عندما نتأكد من كلامه أولاً،

والسبيل الوحيد لمعرفة ذلك نذهب الآن لتفقد الكنز .

صوعقوا عندما رأوه، لم يتوقعوا أن يكون بهذا الثَّراء.
قال الأبن الأكبر مندهشاً: هذا لايعقل كيف.. ومن أين؟!..
وقال الأبن الأصغر: من الآن وصاعدا وداعاً للفقر ومرحباً بالثراء.

لم يكن أبيهم يهذي ولم يُجن كما أعتقدوا فما أخبرهم به صحيح تماماً.

قال الأبن الأوسط: نعم سوف يكون سبباً في التحرر من قيود الظلم والعبودية، والخروج من الظلام وتحقيق أحلام كلّ طفل في هذه البلدة؛

ببناء مدرسة للعلم سوف يسطع النور ويموت الوحش المخيف الذي كان يحكمنا بِأسم الدين.
قفز الأبن الأصغر مرتاعاً وهو يردد في دهشة: هل جننت، هل فقدت عقلك، هل أمنت بهذا الكلام؟!
خرجت من الأخوين تمتمات مرتعشة.. هل نحرم أنفسنا من كل هذه الملايين ونتقاسمها مع هؤلاء المتاعيس الجبناء؟!

علق الأبن الأوسط في غضب: إنها ليست أموالنا، وهل نسيتم ما قاله أبينا إن لم نتبرع بنصفه للخير ستصيبنا لعنتة.

ضحك الأخوين وقال الأبن الأكبر في سخرية “هذا الكلام لا يعقل؛ أنه في الأساطير فقط” .

وقال الأبن الأوسط في صلابة: الوصية واجبة ولا سبيل إلى الطعن فيها وسوف أحرص على تنفيذها”.
عاد الأبن الأكبر وقال منزعجاً: هل أصبحت واعظاً؟

– لا بل أنا مجرد قائم على تنفيذ وصية أبينا ، بل جميعنا مطالبون بهذا.
نَظَر الأبن الأصغر علي يسرة لمكان الكنز ووجد به خنجراً مرصّع بالماس يعطي أشعة خفيفة براقة، وبحركة لاإرادية في لحظة غضب إثتل الخنجر من مكانة وطعن به أخية فسقط غارقاً في دمة.

في زاوية القبو جلس الأبن الأكبر واضعاً يدة معقودة على رأسة، لقد أصيب بصدمة جراء ما فعله أخية وعيناه لا تصدق. سأل نفسه متعجبا: هل أصبحوا قتلة وجشعين.
قفز في غضب وجرى ناحيته وبدأ في ضربة بيدة لطمات متتالية،

قائلاً: ماذا فعلت، ماذا فعلت؟ سوف أبلغهم أنك قتلته.

قام بدفعة مبعده عنه وقال بصوت عالى النبرة: أذاً ستخبر هؤلاء البُدناء أصحاب البطون الممتلئة كي يعتقلوني.
صمت قليلاً واكمل في خبث: ولكن لن تستطيع لأنك لن تخرج من هنا أبداً.

قام بدفعة مرة آخرى ولكن بقوة أكبر حتى أرتطم بالحائط وسقط مغشياء عليه؛ ثم قام بتقييد قدمية ويدية وأخذ من الكنز ما يستطيع حملة. أغلق ذاك القبو بصعوبة من الخارج بالصخرة الضخمة.
توجة على غير مسير وهو يعدو حتى بعد عن البلدة. كان يحمل حقيبتة على ظهرة..

وما تكاد تمر بضع ساعات حتى شعر بالعطش، وتلفت حولة فلم يجد شياء ولا أحداً. مجرد صحراء جرداء.

يمر الوقت ببطء؛ بدأ عليه الإجهاد الشديد وأخذ يلهث من شدة العطش فجلس حتى موعد غروب الشمس؛

على أن يكمل السير لعله يصل الي بئر أو يمر أحدا ويساعدة.

بعد عدة دقائق سمع صوت ذئب بل صوتين لا بل ثلاثة ذئاب.. نظر حولة في رعب ووجد نفسه وحيداً دون أخوية الذين تربوا وعاشوا معاً في بيت بسيط من اللبن مليء بالحب رغم معاناتهم الفقر والحاجة.

بدأ يبكي واحس بأن الندم يأكلة وان جشعه ومخالفة وصية والدة هم السبب فيما فعلة.

يعلم ماذا ستفعل به هذه الذئاب. لا أمل في النَّجأة؛ إنتهى كلّ شيء. أنقضّوا عليه ولم يتركوا منه إلا ما أعان أهل البلدة من خلالة التعرّف على هويتة. أخذوا ما كان يحمله وقاموا ببيعة مقابل ملايين الجنيهات.

تغيرت حياتهم من العبودية للحريّة ومن الفقر للغنى ومن الجهل للمعرفة. وتولى الحكم عليهم واحد منهم؛

اتصف بالعدل بدلاً عن الظالم. حققت لهم الأموال الكثير؛ فهي وسيلة للحصول على المُبتغى وأن لم يكن جلّة لكن جمَّة؛ بفضل ذاك الكنز الملعون.

ومازال البحث جارياً عن الأخوين الآخرين لعلّ الحظّ يحالفهم للمره الثَّانية . . .

 لمتابعة المزيد من الأعمال / موقع أوراق عربية ، قصة قصيرة  

تابعونا  المز من الـ قصة  قصيرة علي صفحة موقع أوراق عربية علي فيسبوك 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق