منتدي أوراق عربيةمنتدي القصة القصيرة

زهير بوعزاوي بكتب لموقع أوراق عربية …. الفستان ج 2- قصة قصيرة

زهير بوعزاوي بكتب لـ موقع أوراق عربية …. الفستان ج 2- قصة قصيرة

قال وهو يربت على كتفي …

ستنام في الداخل هذه الليلة، ستتساقط الأمطار ومن الخطر أن تبيت في الخارج، كما أن المحل فارغ،

وغدا سأحضر سلعة من تصاميم وفساتين جميلة، لأعرضها للبيع، وهناك بعض الطعام للعشاء، وهذا المفتاح إذا أردت الخروج،

وغدا سأفرغ بيتا في القبو من الخردوات، ليصبح لك مكان تعيش فيه بدل الخلاء.

دهشت من قوله هذا، وشرعت أتحدث داخل قرارة نفسي، ما الأمر الذي يجعل صاحب المحل الذي لا أعرف اسمه ولم أسأله عنه يوما، يعطف ويشفق علي، ويعاملني بهذا الكرم واللطف، ويثق في متشرد وغريب ومجنون فقد صوابه

، نعم صرت مجنونا ورجلا أهوجاً، والسبب دائما ما أتهرب من قوله لأي كان، مغطت فراشي كما العادة،

واستلقيت فوقه، مستمتعاً بالفرقعات التي يصدرها جسدي كلما تمددت، لم أستطع النوم في مكان ضيق ومغلق وتحيط به الجدران، اختنقت فيه وتلخبطت ضربات قلبي، وشعرت بالضيق، وبدأت رائحة نتنة تنبعث مني وتنتشر في الأرجاء،

لم أستحم منذ مدة، وصار شعري مضفورا بكثرة الأوساخ، ولحيتي أمست كثة وكثيفة، اختفت بين شعيراتها الخشنة ملامح وجهي، ورائحة العرق تدمع عيني، خرجت أمام عتبة المحل وجلست القرفصاء، ورغم هطول الأمطار،

كنت أحتمي تحت الغطاء الذي يتواجد في مقدمة المحلات التجارية، أرنو إلى كلب يحوم حول أكياس القمامة

وحالته يرثى لها، يشبهني كثيراً والفرق بيننا أنني بشر وهو حيوان، وذكرني بنفسي حين كنت أقتات منها أيضا.

عدت إلى الداخل، بعد أن اشتد عود البرد، وشرع يلسعني، أغلقت الباب بإحكام، أخذتني الهجعة،

وسافرت عبر الزمان إلى عالم الأحلام التي أحب أن تجيئني وهي تحمل طيف ميرڤيت إلي،

سبرت غور نوم عميق حتى الصباح، استيقظت على دقات صاحب المحل، فتحت له من الداخل،

وهو يحمل بين يديه فستان عروس جديد وناصع البياض، أراقبه وهو يعلقه داخل الزجاج، المنظر الذي خلني أبكي بحرقة، وتفي عيوني بدموع المأساة، خيلت إلي الدمية وهي ترتدي الفستان تبدو كمرڤيت وهي تتقدم نحوي وتحمل باقة ورد،

وتضع كفها في كف والدها، استعداد ليزفها لي، ياالله لقد أصبحت رجلاً ضعيفاً، لا أهتم بالحاضر المأساوي الذي أعيشه،

ويهزمني الماضي كلما تذكرته،

أما المستقبل انقعطت بيني وبينه كل السبل، بقيت برهة من الزمن متسمراً مكاني،

وبصري مصوب نحو الفستان كفوهة بندقية، إلى أن جاءني سؤال مباغت من صاحب المحل:

مابك؟ ولمَ تحدق بالفستان هكذا ؟ لن تفلت اليوم مني حتى تخبرني ما السبب الذي جعلك تصبح هكذا متشرداً،

وفاقدا صوابك، ومغترباً عن وطنك الأم!

أحاول التهرب كالعادة، لكنه يحاصرني بإلحاحه، ويطوقني بطلبه، ذُعنت لرغبته الجامحة

، وأطلقت العنان للساني المعقود، وطفقت أحكي،

وإن كان الأمر سيؤلمني كثيرا، فاسترجاع الذكريات أمر شبيه بقطع شرايين اليد،

استرسلت في الحديث وأنا مطأطأ الرأس:

في ذلك اليوم الذي اتفقت ومرڤيت الزواج في الكنيسة، اشترينا فستان الزفاف واخترنا التصميم معاً،

يشبه كثيراً هذا المعلق هنا،لقد كان حلماً لنا وحققناه، كانت تبدو فيه غاية في الجمال، سلبت لب عقلي،

يتلو القس خلف الميكرفون تراتيل الزواج، وضعت الخاتم لها، أجبنا نفس الإجابة،

على سؤال القس حول قبولنا لبعضنا بنعم، الفرح يغمر الأرجاء، تبادل الجميع التهاني والتبريكات،

وأخيراً صرنا زوجين قلتها وأنا أعانقها بشدة،

جاءني اتصال هاتفي من مقر العمل، استأذنتها للخروج لأرد على اتصالات الأصدقاء الذين تعذر عليهم الحضور، وخرجت طبعاً أحدثهم وتركت ميرڤيت خلفي، انشغلت بالهاتف أجيب هذا وذاك،

ابتعدت عن الكنيسة بما يقارب أربعين متراً، لكي أبتعد عن الصخب والضجيج المنبعثين منها، في خضم الحديث مع المتصلين،

سمعت صوت انفجار مدو، التفت إلى الخلف وجدت الكنيسة قد تهدت عن آخرها، وطائرة حربية من فوقها،

تمطرها بوابل من القذائف والصواريخ، هرولت نحوها، أرفع قطعا من الركام، أبحث عن ميرڤيت، يتدفق الدم في العروق بسرعة، القلب يزيد في الخفقان بقوة، ترتفع نسبة الأدرينالين، أفتش هنا وهناك، رفعت تمثال اليسوع،

صدمت من هول مارأيت، لم أكد أصدق، صفعت نفسي لأعود للواقع، ربما أحلم، لكنها كانت الحقيقة المؤلمة، ميرڤيت مضرجة بالدماء، أحاول إيقاظها أضغط على صدرها، خالج العويل دموعي، أصيبت أحبالي الصوتية وتضررت قصبتي الهوائية من كثرة الصراخ، حاولت رفعها لكن كانت قطع كبيرة قد جثمت فوق جثتها، وماتزال الطائرة الحربية مسترسلة في إرسال القذائف، احتميت تحت سارية إسمنتية،

ثم هربت إلى مكان آمن لأستوعب ما جرى، وأستفيق من الصدمة، لأول مرة أود النجاة،

وقد تركت قلبي خلفي ممدداً أسفل الأنقاض، لم أشأ ذلك لكن فوق طاقتك لا تلام، تكدست الأفكار في رأسي وكان خيرها الهروب، إلى أين؟ لا أدري بدوري،

لقد جبنت أمام الوضع الذي كان يثقل كاهلي، تغيرت حياتي للأسوء طبعا، فررت فما كنت أحيا من أجله قد غادرني، أينما حل الظلام أنام، ومتى أقبل الصباح سرت، قطعت الفجاج والوهاد والفلوات،

حتى وصلت هنا وصرت لاجئاً، أما مدينتي فقد جعلت منها رحى الحرب رفاتاً، لم يبقَ فيها سوى طغمة من السكان ينتظرون الموت بعد اجتياحها من طرف الأعداء، وعاثوا فيها فساداً، منظر ميرڤيت وهي جثة هامدة أصابني بالخبل،

وقفز الجنون إلى عقلي، وبقيت ذكراها غصة في فؤادي، لم تمنحني الحياة فرصة لأدفنها بطريقة تليق بها،

أنا مجنون لكن مافي القلب لا يمحوه الحمق، يظل منقوشا مهما مرت عليه السنين، هو ذاكرتنا الحقيقية،

يشبه الصندوق الأسود الموجود في الطائرة، إذا تحطمت عن آخرها، تبقى فيه كل تفاصيل الرحلة،

كذلك العقل والقلب، تُدمر خلايا الثاني، ويبقى الأول محتفظاً بكل شيء.

أبصرته يبكي متأثراً بما قصصته عليه، نهض من مكانه يحجل في مشيته، أخرج فستاناً من الزجاج الخاص به،

أحضره إلي، وضعه بين يدايّ، هل تريد تحسسه؟ قالها بلطف، أمسكته تراءى لي ملطخا بالدم وميرڤيت ترتديه،

لقد أفزعني منظره، أحيى مواجع داخل قلبي، رميته عني متراجعاً للخلف بسرعة، أ

صرخ لا أريد رؤيته.. لا أريد رؤيته.. قفزت خارج المحل،

وهممت بالفرار إلى وجهة غير معلومة كما أفعل دائما، كلما تحسست فستاناً.

 لمتابعة المزيد من الأعمال / موقع أوراق عربية ، قصة قصيرة  

 لمتابعة المزيد  علي موقع أوراق عربية – قصة قصيرة  فيسبوك 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق