منتدي أوراق عربيةمنتدي القصة القصيرة

مهند التكريتي لموقع أوراق عربية …. عندما يطفأ الحُلُم – قصة قصيرة

مهند التكريتي لـ موقع أوراق عربية …. عندما يطفأ الحُلُم – قصة قصيرة

أصبح من الصعب أن تدرك شيئاً .. ولكنها .. وفي اللحظة التي تسبق الاختناق , استطاعت أن تميز صوتها

من بين حشد أصوات الاطلاقات المتنافرة .. هادئاً هدوء الموت , ثائراً .. عنيفاً ..

وتمطى كل شيء بعد ذلك بوجل هارب ومفزع ، انتزعت نفسها من فرن الأصوات الهادرة .. لم تعد تتذكر تسلسل الحركة .. ولا أشكال الوجوه .. وفزعها وهم يفرغون فيها وابل الرصاص.

لم تعد تميز من معالم وعيها المفرغ سوى شارع طويل تجري فيه بلا هوادة كحصان مجروح هائم بين حراشف الأشجار ورفات صخور نامت عليها أوراق الخريف
… شارع متسق الأبعاد, يطويه الفراغ المظلم .. ينتظر قدومها بفارغ الصبر ليغرقها في دثاره الأثيري ..

الضبابي المظلم ..شارع لا يتنفس إلا بوقع قدميها الصارختين وهي تحمل ثقل الجسم ..

وكومة أحزان محمولة في سلة سندان عقلها المرهق..

((.. هذا الصمت يرعبها ويحذر شغفها للتذكر.. يبلعها ككفن مفروش . . كجراد متناسل في حقل لا متناهٍ .. ))
وقع أقدام تتقدم برتابة فتبتلع السكون .. تتقدم لتنهشها وتغرقها في لهاث متدحرج .. تتحرك .. تتحرك ..

حاصرتها ملوحة عند الحلق .. تخنقها رغبة تكاد تغتصب صرخة مكبوتة في دهاليز حنجرتها المرتجفة ترتعش ..

تتمزق أسارير وجهها .. في لحظة .. أدركت بمجسات عقلها الظامئة أن الحزن والخوف هما .. الهاجس ..الحقيقة المرة , الوحيدة في حياتها .. إنهما شغلها الشاغل .. من يدري لعلهما المتاهة الوحيدة المتبقية لتتيه في مجاهلها

– (( كل الحقائق كاذبة .. كل شيء يكمن فيه خطأ ما .. كل شيء ))

الخطوات تتبعثر مع التعب المتسلل بانتشاء في جسدها الضامر المرهق .. بدأت تحس بثقل جسمها يتزايد ..

يثقل .. يتواثب .. فيسقط على قارعة رصيف مكسورة .. تهالكت .. تمددت اليدان مثل غصنين طريين ..

تقوس ظهرها على هيئة علامة سؤال .. فوران دائم يشق جبهة الصدر بوجوم متوحش .. تتقاذف نفسها كمنجل يترنح بين أعناق سنابل متكاسلة ..

– (( ما الذي حدث لهذا العالم ..تصرخ مهتاجة :- أبي اتركوه .. لا تطلقوا عليه النار .. لا )) ..

ضياع أبدي في رحم عالم أخرس .. جسد آخر يتماوج من وقع معاول الرصاص المتراشق .. يغيب في سنادين الذاكرة ثم ينهض ليلحقها في سباق هستيري .. يدنو .. ويدنو .. ثم يتلاشى في الفراغ .

يعلو صوت وليدها .. مبتدئا ًمن ثغرة التلاشي .. يتلمس تضاريس ذاكرتها المتهشمة… يدغدغ صمتها السجين …

صوت مفجع .. كأنغام مزمار مشروخ .. حاصر أذنيها .. تغلغل في مسامات عقلها الأهليليجي وأقفل المسارب عليها .

صوت زوجها وصورته تغلفان كل الموجودات بلون واحد لا تعرفه .. خليط أحمر,اختلط برائحة البارود الأسود ..

وجه يعبس .. يطبق على شفتيه .. دم أحمر دافئ يجري كنهر تحت السرير المهتريء يتقيؤه جسده الممزق ..

انتفضت كل مشاعر الغضب من صدرها .. اعتقدت أنها تستطيع أن تنهض الشمس من مهدها لتزيل ظلام ليل دام ٍ..

تتسارع الخطوات بالقرب منها.. وتدور معها نبضات مخنوقة .. يتجمد وجهها مفزوعاً مرة أخرى ..

كادت حنجرتها تفلت من مدار حلقها الجاف .

الدائرة تضيق .. الصوت .. الوالد .. الطفل .. الزوج .. الوحش القاتم .. الرشاش المدوي .. المنصة تهتز..

العقل يشتعل بإيقاع رتيب ومتصاعد .. ترتجف الأوصال .. تحتضر الهمهمات .. تحاول الوقوف ولكن خوفها أصابها بالشلل .. يزرعها .. يذلها .. كطائر فقد جناحيه بين الغيوم .. دائرة الأصوات تقترب .. وأصوات الرشاشات تستشيط ,

الأفق يخيطها بين لحظات السكون .. يثبتها كي لا تنساب من مكانها كأخطبوط أخرج إلى اليابسة من الماء ..

تغوص في مخاض هستيري .. تحاول الوقوف

.. ثم .. ((طاخ .. طاخ)) .. أصداء تتكرر في مشيمة ذاكرتها القلقة

.. تلفظها إلى رحم المجهول .. يخيم سكون ثقيل يحيط به صرح خاو ٍكرجع النبض يلتف متشرنقاً بحبل متين ..

بهتت الألوان , واختلطت الأصوات بوابل من الصور .. المنصة تهتز .. الفنجان يتشظى .. حشرجات تعلك همساتها ..

تدلي عقلها .. تثبت جسمها كمسامير صدئة على قارعة الطريق .. كان صوت النبض في دمها يتململ , ويتمدد بشكل جديد لم تألفه ..

يتشكل جنيناً .. يستعذب صرخته الأولى .. يختلط بصورة والدها وهو يحملها لأول مرة .. بصورة زوجها وهو يضمها لأول مرة .. بصرخة وليدها وهي تعانق ثغره لأول مرة .. تتلاشى أوجاعها في أخدود ومسارب ذاكرتها الخاوية ..

يرتفع الجسد الممدد قليلاً ثم تشرئب الرقبة في سباق هستيري نحو مساحة ضوء نازفة من مجاهيل الغيب ..

-((آه .. آه أريد أن الآمس زهرة والدتي بيدي الراعفة حد الانكفاء.. ضميني بين وسادات أياديك وأطفئي صريرالنزف المؤجل في حنايا روحي المكممة بالسراب ..أقبلي أليّ فأنا بانتظار لمستك الحانية.. آآآه .))

وبهدوء ابتلعها حوت السكينة للمرة الأخيرة .. رفرفت روحها بعيداً عن جسدها سابحةً في الأفق رغم كثافة الهواء .. وانتهت لعبة الأصوات بمبضع القساوة والدموع .. وألقيت ورقة أخرى في مخافر شرطة هذا البلد ضد مجهول .

 لمتابعة المزيد من الأعمال / موقع أوراق عربية ، قصة قصيرة  

تابعونا علي فيسبوك 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق