فليكن عيداً للرحمة … بقلم رباب طلعت – خاص لأوراق عربية
“سأرسم صورتها وأقبل رأسها وأقول بكل أسى كل عام وأنتِ في جنة الخلد يا أمي ” كانت هذه الصفعة التي تلقتها أحد المعلمات في المدرسة وهي تتحدث مع تلاميذها وتسألهم كيف سيحتفلون بأمهاتهم في عيد الأم؟
لم تستطع المعلمة أن تنبس ببنت شفة بعد ذلك الرد الصادم من أحد تلاميذها الصغار الذي لا يتجاوز عمره الثمانية أعوام , غادرت المدرسة بعدها وظلت تبكي طيلة طريقها وهي تفكر في أولئك الذين فقدوا أمهاتهم وأولئك الذين فقدوا أبنائهم وتذكرت أمها الحبيبة التي غادرتها منذ بضع سنين , فأخذت قرارها بأن تحتفل بعيد الأم مع أولئك الذين فقدوا أمهاتهم في أحد دور الأيتام وأن ترسل أبنائها للاحتفال به مع الذين فقدوا أبنائهن في دور رعاية المسنين , ولكن في كلا الدارين لم يكن الوضع أفضل مما هو عليه في المدرسة فقد كانت الأعين تفيض بالحرمان الذي خففت حدته زيارتها وزيارة مثيلاتها للأمهات الثكلى أو البائسات اللواتي عانين من جحود أبنائهن أو اللاتي لم ينجبن , شعرت بعد الزيارة بأنها أفضل بكثير من أي عيد أم مضى فبرغم اشتياقها لأمها إلى أن الزيارة جعلتها تحمد الله على نعمه الكثيرة وتدعوه أن يرحمها من أن تكون أحد رواد تلك الدور هي وأبنائها , وتشكره أن أمها غادرت الحياة في أحضانها .
الجدير بالذكر أن هذه القصة من وحي الخيال ولكنه الخيال الواقع , فكم من البيوت التي تستقبل عيد الأم بالبكاء والحسرة والألم , كم يتيم يتذكر لمسات أمه الحنونة , وكم من طفل معذب في الحياة من أم لا تعرف معنى الأمومة , وكم من ثكلى فقدت ابنها وثمرة رحمها , وكم من أم أنجبت شيطاناً جاحداً بها , وكم من أنثى يختبر الله صبرها فجعلها عقيم .
والسؤال الأكثر إيلاما كم من بيت فُقِدَ فيه الأم أو الابن في أوطاننا العربية خلال الأعوام الماضية , كم من بيت فُقِدَ فيه البهجة خلال الأعوام الماضية وستعاد ذكرى الألم في عيد الأم المقبل , كم بيت سيكون فيه عيد الأم ذكرى مؤلمة ينساها أو يتناساها أو يخضع لوجع أحزانه فَيُعتصر قلبه حزناً , كم من بيت نعرفه بلا أم أو ابن , كم من قلب يحتاج في هذا اليوم وجودنا معه , الكثير والكثير وإن لم يكن من قريب فهو من بعيد .
ولذلك فلتجددوا مراسم احتفالكم بعيد الأم , فلتواسوا القلوب المنكسرة وتخففوا من آلامها , فلتراقبوا دموع تنهمر في ذلك اليوم وتغيروا مجراها , اجعلوها تنهمر من الفرحة من أناس منسيون في يوم كهذا , قدموا لأمهاتكم دعوة من رواد دور الأيتام والمسنين وأطفال الشوارع والأمهات الثكلى والنساء اللاتي لم ينجبن , فلتكونوا ليوم واحد أبناء أمهات كثر , وأمهات أبناء آخرين , علموا أبنائكم البر ببركم لأمهاتكم وعلموهم الرحمة برحمتكم بإخوانكم في الإنسانية , احتفلوا بعيد الأم احتفالات إنسانيا لا احتفالات تقليدياً , انشروا الحب والرحمة والبسمة في يوم الأم , فالأم هي الحياة , الحب و الرحمة , الأم هي العناية والسعادة والابتسامة , فليكن يومها كصفاتها يوم حب استثنائي .
وكل عيد أم وأمي وقريباتي ومعلماتي وصديقاتي وأمهاتهم وأمهاتكم جميعا بخير وسلام واطمئنان , وكل عيد أم وأم كل يتيم في الفردوس الأعلى , وكل عيد أم وكل يتيم مُواسى بأحضانكم , وكل عيد أم وكل ثكلى ترى ابنها في أعينكم , وكل عيد أم وكل أنثى لم تنجب ترى رحمه الله بها في مودتكم , وكل عيد أم وأنتم جميعا في حب وسلام .



