منتدي أوراق عربية

عندما تنسفنا الحداثة -الطيب الشنهوري

……………………

الطيب الشنهوري

……………………………..

جارنا النبيل أحمد رجل من القرن التاسع عشر أو ما قبله , بيد أنه يعيش في قرننا هذا , لذا فكثيرا ما يتهم بالرجعية والورائية  , و يعاب عليه أنه لم يتحرر بعد من قيود ماضي الأجداد وميراثهم الشاحب الباهت , الذي ألقاه الجميع وراءهم ظهريا , سوى أحمد هذا الذي ما زال يحمل في حياته ويحملها الكثير من مظاهر هذا الماضي وعاداته وتقاليده ..

يصبغ حياته ويصر ولا يرضى بديلا عن صباغتها بلون لا نعلم به عند أحد غيره إلا فيما يحكيه لنا الآباء والأمهات عن أجدادهم وجداتهم..

ويرى ذلك من المفاخر والمحامد والمآثر في مقابل من يرونه محض تخلف ورجعية

لكنه كثيرا ما يصمت فلا يرد على معارضيه تاركا حاله وحياته تتولى الرد عنه

 وإنها لمفارقة عجيبة عندما تراهم يتهمونه بالسذاجة والطيبة وعدم الفهم لمجريات العصر و العجز عن استيعاب متغيراته ..

و كثيرا ما يطرق سمعي قول قائلهم : إنه رجل لا يصلح أن يعيش في زماننا

ولا أخفيكم سرا , رغم كل الاتهامات التي تكال لعمنا أحمد  ورغم كل ما يقال عنه من تنقص لقدره ومن استنكار لشخصيته وأفعاله وأقواله

إلا أنني كثيرا ما تمنيت بيني وبين نفسي أن أكون مثله .. أجل إنني أغبطه.. أحس ذلك في قرارة نفسي يملأ علي كياني ووجداني .. وصوتا خفيا هذا الذي أسمعه يصرخ بي من داخلي . لم لا تكون مثله ؟

لعلكم ستعبقون  قولي بالسؤال لماذا ..؟؟

أقول لا تسألوني لماذا أغبط أحمد ؟

بل سلوا عن سبب لما يقال عنه  من أنه ساذج .. طيب … لا يصلح للحياة في عصرنا ؟؟

نعم

لا يجد الباحث لقولهم هذا في أحمد وفي حياته سببا سوى

 

أحمد رجل ساذج لأنه يحمل قلبا مليئا بالرحمة والعطف والشفقة والحنان

أحمد رجل ساذج لأنه يحمل بين جنبيه تيارا من الإيناس وشلالا من المروءة

أحمد رجل ساذج لأنه صادق صريح لا يعرف الكذب ولا المواربة ولا الاحتيال

أحمد رجل ساذج لأنه لا زال يكد  بعرق جبينه على لقمة عيشه في حياة عجفاء  ولا يعرف إلى الفهلوة والشطارة في كسب الرزق الحرام طريقا

أحمد رجل ساذج لأنه لا ينسى كل يوم أن يسأل عن ذوي قرباه وعن جيرانه ويشارك الناس بروحه أفراحهم وأتراحهم

أحمد رجل ساذج لأنه لا يبذل حر وجهه مقابل شيء زائف حقير بحثا عن لذة  في مال أو غيره يركع أمامها كل رصيده من نبله ومثله ويسجد أمامها كل ثروته من خلقه ومروءته

أحمد رجل ساذج لأنه ذو وفاء جم يصافي صديقه ويسامح عدوه ولا يعرف للغدر والمكر واللؤم سبيلا

أحمد رجل ساذج لأنه لا يجيد التخطيط لمستقبل أفضل لأولاده يقطعهم فيه عن كل فضيلة و يجتثهم عن كل نبيلة

أعرفتم لماذا لا يصلح أحمد لأن بعيش في زماننا ؟

..

لا أستطيع تعداد ما يملكه أحمد من صفات هي للأسف في نظر الكثيرين ما عاد لها مكان في حياتنا

وما عادت تصلح أن تبقى بيننا في عصرنا المتغير المتسارع التغيير

لكأنني بأحمد يساءل هذا العصر بلسان الحال وبكل قوة

من الذي قال أن الحداثة والتقدم هي أن يتخلى المرء عن قيمه وأخلاقه وموروثاته ؟

من الذي قال أن العصرية أن يتنكر الإنسان لأهله  ومجتمعه ؟

من الذي قال أن من سمات هذا العصر أن يبحث المرء عن سبيل للاغتناء متخذا من الشطارة والفهلوة طريقا قصيرة يسيرة ؟

من الذي قال أن الحداثة تعني مادية بحتة تسمو فوق كل مبدأ ودين ؟

من الذي قال أن الحداثة أن يتسلح المرء بأسلحة المكر والخبث والدهاء ليواجه  عالما شعاره ( إن لم تستأسد أكلتك الأسود ) ؟

 

تبا لحداثة تقطعنا عن أصولنا وتخلعنا عن جذورنا

 

 

 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رؤية حقيقة تعبر عن واقع معاش نعايشه ونلمسه جميعا
    لقد تغيرت المبادئ في نظر الكثيرين من الناس إلا ما رحم ربي
    وغابت عن مجتماعتنا الفضيلة لتحل محلها النفعية
    كأننا نعبش وفق مبدأ المصلحة فقط
    بل وكأننا أوشكنا أن نكون في غابة يحكمها قانون البقاء للأقوى
    أصلح الله حالنا وحال بلادنا
    لتعود لأخلاقها وفضائلها
    تسمو وترقى وتسود الأمم
    كما سادتها في ماضيها الغابر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق