تونسمواهب علي الطريق

عائد من المنفى

 

للجنوب يتوجه ، و إلى الجنوب يصاعد في أخرة من الزمن. يتبع خطى شيخ قديم كأنه الدهر ، خطى أهوائه. على عتبات باب كالوشم يلوح على ظاهر البرتقال الحزين يقف مأخوذا بالجنوب يتذكر موطنه . موطن درويش الذي كان قصيا عصيا عليه. كانت لحظة تفكير قصوى ، كانت كفيلة بكسر القواعد التي سطرها ما بين كل بيت من أبياته. و له أن يخرق القواعد كلها. يطرق الحدود باحثا لنفسه عن إنتساب فيفاجأ بجنون الصدمة في قساوتها و عصيانها فيزداد إحترامه له و يمضي ..يواصل التوغل بين ثنايا الجغرافيا و يحتار إلى أي جنوب يتوجه .. يخاطب روحه هل جنوب إيطاليا يناسبني ففيه يختلط عبق الروائح ، أم أختار ضجة الروح في مرسيليا ، أم أندلسية إشبيلية .. لا أعرف .قبلته الجنوب ، و يستحضر ما بين صيدا و بعلبك حيث الأرز و الجبال شاهدة على ملاحم الحرية . لم يشأ الأبتعاد كثيرا و تيقن أنه عربي الهوى و أن لا حدود إلا في خيال الراضخين، يردد نشيدا يروي أمجاد سالفيه و يمر. يسرع الخطى يعبر إلى الجميلة .. إلى يافا ليتمعن ألقها و عتاقة الأصل على جدرانها و يبعد النظر عن ملامح مغتصبيها .  رويدا نحو الميناء القديم ينزل. يحتل المكان الأروع للوقوف في المدى القريب بضعة قوارب لسكان لم يهجَّروا بعد و في المدى البعيد تلك التي تسمى عكا و يجد همزة الوصل بينهما فيافا روح عكا و عكا قلب يافا النابض بالحب و هن أميرتا الوطن كلما إشتد الحصار.تقاطع برهة التأمل الساكنة إحدى الجميلات ، تكثر خطاياه و يرتب بيتا دون إستشارة الشاعر و يفكر .. الجميلات .. هن .. الجميلات هن الثائرات .. الجميلات هن الفلسطينيات تضحك لحماقته لامبالية تواصل سيرها…يشد الهمة و يبحر و هو ماكث في مكانه نحو الجزء الآخر من الجنوب …حين يمتزج إيماني و عصياني أكون أنا توقد أجيج ثورة و يعزف لحن الوتر الحاد و يصرخ كما كولومبس إنه جنوب أميركا فيرد الصدى مستهزئا : و لم كل هذا يا هذا . هنا حيث العلم و الفلسفة ، حيث الثورة و العشق، روعة الجنون هنا مكانها، ميلادها و للجمال هنا ملاذ للحياة .يخرج من داخله البعيد لاتينية ماعدها قط و أدرك أنه في حضرة الإنسان هنا . أن التمرد كالخبز . في حضرة أشخاص يجتمعون في صباح راديكالي ، تشافيز، كاسترو، عنفوان جيفارا ، ينصب نفسه رفيقا لهم و يجالسهم  ليشرب نخبا فرَحًا بإنتصار ما.  على وقع زخات المطر يصحو من نومه  يفتح عينيه, يُصدم, يغمض عينيه و لكنه تيقن أن مغامرات الآن كأنها مرت قبل جيل من العمر و أنها كلها إنما هي أحلام أوهام في اللاشئ هائمة , أن لا ذكرى بقيت سوى بعض المفردات وحيدة تسبح في الكون شارفت على غرقها و خيبة من حيث لا يدري .يعود إلى واقعه البائس , يوم كآخر و ربما حلم آخر يصارع اللامنطق يلبس ثياب التمرد , يلملم بعض أوراقه و قبعته المعتادة. يخرج مسرعا , لكنة غريبة ألقى بها تحية الصباح على حارس العمارة . يصافح وجهه قطرة المطر الأولى يقشعر بدنه و لكن أناه تلتهب في الداخل.يصل الشارع الرئيس بتونس العاصمة, يدخل المقهى , يجلس خلف البلور في الداخل دفء المكان ،رائحته، عبق القهوة تحضر طقوسا نعبدها في هذا الصباح فلا أمل ينير الطريق . فيروز الصباح حزينة كالعادة و من فوقها نشرة الأخبار الأولى تحصي إنفجارات بغداد و تعد الأيام لمن سيخدع بكذبة السقوط و الإرادة . و في الخارج حركة غامضة الكل على عجل ماعدا ذاك المتشرد فهو مثلي أنا. قدسية القهوة حسب درويش فريدة، سيجارة أولى على مهل ، عقارب الساعة لا تنتظر ، تمنى لو أن الوقت سانح لموقف خشوع آخر ترتجف فيه الأطراف كلها  مرارة .يرتب ثيابه و يخرج ليلحق به النادل عابسا مطالبا بثمن القهوة. يمشي نحو الجامعة و يفكر في درس اليوم عاقدا العزم من جديد عله يحضى ببعض من المعرفة و لكن لن يكون كذلك . في المدخل الرئيسي يلتقي بصديقيه و يتركانه لينشغل كل منهما بمغازلة الصباح بما يليق من كلمات أما هو فينشغل بتركيب بعض العبارات بما يناسب الوضع و يصعد وحيدا يهتف و ينادي و يطالب فيكبر الجمع و يتعالى صوته صادحا في ربوع المكان و يقول كلامه هذا و يمضي . فهذا الإنسان لم يتعلم من الجامعة سوى إلقاء الخطابات سوى التمرد و تحرير البيانات في آخر النهار. آخر نهار كآخر من قبله يعود و يجلس قليلا يتبادل الحديث عن السياسة و الإستراتيجيا و الضحك من كل تلك الترهات التي لا يعرف غيرها . يعود إلى المنزل وحيدا كما بدأ .قهوة أخرى و لكنها عملاقة بما يناسب خيبة هذا المساء ، لا يأبه لجلسته يكمل الفصل الأخير من إحدى روايات غوركي يمسك بعض من زهر الياسمين يعطر سواد المكان و لاحاجة لسيجارة الآن فالياسمين إدمان …صمت رهيب ينزل صمت خبأ القدر من بعده إنتفاضة غريبة إنتفاضة ذات كاسرة للأغلال و قيد سجنه. لحن فارسي يتواتر في المدى يرحل ليأتي آخر من بعده ينبأ عن غضب عربي أعتى من أي هيجان إفريقي كان . شكلا جسد هامد ساكن و عينان ذابلتان أما حقيقته فأشبه بقندهار أو أكثر قندهارية. يلعن الفلاسفة واحدا واحدا دونما إستثناء، يلعن المؤرخين و الباحثين عن ركام العصور الوسطى في خفاياه و بعضا من شعراء الجاهلية اللذين كتبوا لأجله بعضا من قوافيهم .هو لاجئ، هو من شعب الخيام، لم يحض حتى بوطن يتكأ عليه و يحضنه كلما أرهقه العشق، هو الذي خرج من البئر الأولى في حقيبته ذكريات طفولة حمراء و ضحكات أصدقاء ذاك الزمن و بعضا من الحنين إلى تلك التي كانت فتاتا وقتها فكيف هي الآن ؟ هل هي جميلة ؟هل عفوية عيناها مازالت تنسيان العالم و من فيه ؟ أوصلت  رسائل المنفى التي كتبها لها، ربما وصلت ربما مات ساعي البريد قبل أن يوصلها. هو كذلك كأن قدره المحتوم ألٌاٌ يخرج عن شيئين لا غير إما أن يكون مقاوما ثائرا و إما مفكرا أديبا. هو قدره أن يكون إثنين من هؤلاء. تستمر الإنتفاضة تستمر الألحان. يرتجف يصرخ و يصبح بربريا في مجابهة اللعنات من حوله . يكسر نوتات من بيانو إحتضاره. و يسمح للوقت ان يمر أن يبزغ ذاك الفجر الذي طال إنتظاره .

 

يصل بيروت، يمر مرورا شاحبا و لا يستقبل عنبرها كما إستقبلته ، و يمر إلى الجنوب ما بين صيدا و بعلبك كأنه بالأمس كان هنا كأنه يعرف هذه الرؤيا و لكن مر من العمر ما يكفي للنسيان أو لذكرى مفرغة من بقايا اللقاء الأخير. يتحسس تشوك الأسلاك و يعصر أنفاسه و يعبر. كأن كل شيء تغير كأن لا مكان لليأس ابدا بعد خطوة واحدة، تلك الخطوة عادية هي سريعة و لكنها معقدة و ترحل الذكرى، من هنا آنطلق إلى هناك و من ذلك المكان إلى هته الأرض عاد، عاد يحمل فكرة لم تخلق من عدم . تقابله الخيام و إستوائها القديم ، هنا كبر هنا كان شهما قبل سنين و هنا أحبها عن غير قصد.يطرق باب الإنتماء فيفتح، يتيقن من هويته.. تختطفه تلك النظرات مصادفة يقابل سحر عينيها يغتال و يدون شهيدا لا للوطن فيرفض ذلك و يتأكد و تتأكد هي ذاتها، ينطلق في سكون، إنه هو في لحظة جنون يترك حقيبته أرضا و تترك ما فيها و يجريان ، يشرع ذراعيه إلى السماء و تحلق هي، ترتمئ في أحضانه و تنام. يتنفس عبق عطرها و تذرف دمعة  لطول الفراق و يستمران في لحظتهما و تصرخ بأسمه عاليا في الأفق، يبتعدان صامتين و في خيال واحد يسبحان أنتِ كنتِ كما أنتِ الآن عيناك شفتاك جدائل شعرك . أنت أميرة هذا الزمان . أنت كذلك لم تتغير فقط هذه اللحية الكثة غطت جانبا من ملامحك. لم كل هذا الغياب بقيت في إنتظارك و حدثني فؤادي عن عودتك . يبتسم و يبعث برسالة اللانسيان على شرفات الذاكرة، إحتفظت بظفيرة الصوف الأولى التي حكتها لي و سواد عينيك لم يفارقني رسائل من المنفى كانت تصلني و أرد و لكنها لن تصل أبدا .يطل شخص من أقصى الممر الفاصل ما بين الخيام ينادي من معه و يركض غير عالم بخطيئة ما يفعل منتهكا الصمت الرائع يتطفل و يحول ما بينهما و يتأكد من شخصه إنه رفيقنا القديم عائد من المنفى إلى الوطن عائد  للمقاومة . بعد سنوات من القطيعة ذاك الشعور راوده من جديد أحس بغرابته و تبدل الأمور من حوله و لكن الملامح ذاتها، النظرات ذاتها و الإبتسامات نفسها.ليلة تسامر في جبهة الكفاح مع الرفاق ذاتهم كيف كانوا و كيف أصبحوا تركهم و عاد آملا في عودة إلى بلد مكتمل كما عاد من قبله الكنفاني و يجول ما بين الوجوه ضحكة ذاك نظرات الآخر كلها حامية يشرب جعة رخيصة الثمن أحتفالا بهذا اللقاء . هو معهم الآن بجسده و قليل من ضحكته ، كيانه و روحه عندها و لم يشبع من الصدام الأول ما بين القلوب و تمنى لو كانت جليسته في هذا المساء و لكن لليل حرمته و للجنوب مبادئه. يبحث عن غسان أين هو ليس معهم الآن، و لم يأتي حتى للعناق الأول، يسأل عنه يسكت الجميع و تتغير الموازين . يأتي صوت خافت بالكاد يسمع :” غسان شهيد هاته الأرض الأبية .. إنه بطل، ككل من سقطوا في يسراه بندقية و في الأخرى راية لن تسقط أبدا”وحده الآن يصغي إلى ترانيم أنثى من قوم الأرمن تئن وجعا على خاصرة الحياة و الموت آت . يقول آخر :” رفيقنا نظال ، أتتذكره هو الآن في الأسر هو زعزع الأرجاء كلها تفجيرات ، معتقل و سيحرر ” يبادر أحدهم في الإنشاد للساهرين وراء القضبان للشاهدين على آنبعاث الفجر من كحلية الليل و للحالمين بالآنعتاق من عبودية الأمس و للعاشقين البعيدين مهما آختلفت المسافات.

يا ظلام السجن خيم نحن لا نخشى الظلاما         ليس بعد الليل إلا فجر مجد يتساما

 

في ضوضاء النهار تعرف على أبجدية الأمور هنا . دعوة للعشاء كانت قد رتبت مفاجئة. يلبس بدلة راقية إحتراما لإيطالية هذا المساء و خروجا عن المألوف يصل حد إعلان الحرب . ربطة تحاول قمع العنق لكنه يأبى الإنعتاق يريد التحرر و عطر جاهلي يحاصره من كل الزوايا. تلبس ما يليق بأنوثة حبهما ، ثوبا أسود كهذا الليل . ضياءها قمر لا يسودّ في العتمة و شريط أحمر على خصرها، جدائل شعرها هادئة، عقد اللؤلؤ يلامس جسدها و لا يؤذيه و عطرها يختزل باقة كاملة من الورد المعتق . رويدا يسيران كما شاءت الرؤى، هي ملكة الآن و هو مضطهد بما شادت به تعاليم النبلاء.في ركن جلسا، لم يكن سواهما و آخرين بعيدين و صيحات بافاروتي وفية كلما استحقوها . يعتريه الصمت فتبادره هي بالحديث :”ماهي موسيقاك ؟ أعرف أنك بالفن كنت تحارب ”  لكل صلاة وقتها و لكل أغنية موعد لها معي ..لا بديل عن فيروز الصباح و إلتزام عند الغروب و ما بعدها إما غناء فرنسي و إما روحانيات جائرة في لحظات الآحتراق و الأنين، و ما بينهما إما قرع طبول أو عزف منفرد. يتغافل عن ذكر جمالها  و يسألها عن كلمات كانت تكتبها منذ زمن فتجيب :” ألهمتني و لم أقدر على الكلام، كلمات كتبتها لأجل بطلي لما كان و عن المسافة عندما رحل و بعضا من رثاء الأرواح و آنتهى نزف الحبر”.تتغير الألحان كأنها دعوة صارخة للرقص و لكنه تجاهلها و تمنت لو ترقص و لكنها أحست بالصد من نظراته .” هلا راقصتني رجاءا” .. تلعثم و رد :” لا أعرف الرقص ، مثلنا لا يتعلمون الرقص إلا ما بين جثة و أخرى نتبع الدماء و الأعداء واثقي الخطى ، أما غيره فتركناه لمن ليس مثلنا ” هلا راقصتني ؟ عندها أحس بقوتها و تأكد من ضعفه. مرغما لامس يدها و أخرجها ليراقصها أو لمجرد محاكاة حركاتها. كانت اللحظات الأولى أصعب من إشتباك دموي ما بين قبيلة و أخرى. كانت خطواته الأسوء لا توصف و حاولت جره متبعة نقراتها على الخشب. و أشبه بقبلة كانت بعد أن أجهدها في حركات لا تشبه الرقص أبدا .على باب المخيم إفترقا ليسرع هو في خلع القيود التي كبلته ليستنشق هواء التحرر و يسر لكونه غير منتم لترهات النبلاء .ولتتأنى هي أمام مرآتها في التفريق ما بين العطرين و لتبتسم لروعة اللقاء . على مهل تعيد سيناريو كان .. ليعودا و يلتقيا، يكونان إنتهازيين حينما يمنعان روحهما الجلوس وحيدة.   في ليلة الهدنة ذاتها ، ليلة عشقهما جلسا في جولة ثانية مع الرفاق و الرفيقات اللذين أوقدوا نارا تتوسطهم في ليلة باردة من إحدى ليالي تموز كان إلتهابه هو الأقوى يقلب السكون إلى هيجان و الكل يغني يغني الحب في الزمن الجميل. يبتعد فتحاول عدم اللحاق و لحقت ، سألها إن كانت تشعر بالبرد فنفت مخفية الحقيقة و لكنه غطاها . آبتعدا قليلا متحادثان ، إستلقيا على آخر نقطة من حدود الأرض السانحة و نظرا إلى الأعلى إلى بريق النجوم و غطرسة السحب التي تخفيها. هي ساعة الهدنة الأخيرة، تركا مجالا للتأمل والإبحار في ربوع السماء و لم يحاولا كسر لحظات عشقهما منذ القدم .أحبها حتى التعب و أحبته إلى أن أشرف ذاك الفجر من وراء الهضاب فجر ما بعد نكبة و نكسة ثم نكبة و عشق في دروب الكفاح .. شمس الحرية نحن ننيرها فآنتفضي لتكوني كالملاك أو أكثر في قبلتنا التالية .أحبك ما بين الركام تنبت الورود و في حدائق المنفى و على جبهة النضال و إلى ما بعد الأبدية أحبك ..

إنفجار .. لا أحد يفهم الحقيقة .. لم يجدوا شيئا غير حبات عقد و خصلة من شعر إمرأة و ربطة عنق و وردة. فطوبى لعاشق لم يصل و طوبى لثائر لم يحرر أرضا .

 

و لأننا نحن .. نحن نحب الحياة إذا ما آستطعنا إليه سبيلا

 

 

 

792232_10200439579182651_2135573996_o

 

 

 

 

 

 

 

بقلم إيهاب بنحمدة  (الايميل iheb070894@hotmail.fr )

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق