منتدي أوراق عربية

شباب الثورات العربية تحت المجهر الإسرائيلي

 

ما من شك أن المحرك الأول للثورات العربية التي اندلعت في معظم البلدان العربية كان وقودها الشباب في ميادين التغيير والتحرير وغيرها من الميادين العامة التي تحمل أسماء ذات دلالات موحية ومؤثرة. وفي واحدة من أهم الدراسات الاسرائيلية التي صدرت أخيراً، كشف المعهد السياسي في تل أبيب عما أسماه بالسياسات السرية التي تنتهجها كثير من الجماعات العربية المعارضة لإشعال الثورات داخل الدول العربية والاطاحة بالأنظمة الحاكمة فيها.

تعترف الدراسة التي حملت عنوان “الدول العربية تدخل الى عهد جديد” أن الكثير من الدوائر الاعلامية أو البحثية الاسرائيلية رصدت أنشطة هذه الجماعات المعارضة منذ فترة طويلة وتوقعت تطور نشاطها بالصورة التي تؤهلها الى إسقاط الحكم في بعض من الدول العربية, خاصة مع شعور بعض هذه الدوائر بأن التغييرات باتت وشيكة في الكثير من الدول العربية وأن هناك حالة من الاحتقان الشعبي العربي الذي يتصاعد بصورة وصفتها الدراسة بالدراماتيكية.

اللافت في الأمر أن الدراسة تعترف بأن الكثير من هذه المراكز وبالتعاون مع بعض الدوائر البحثية في الأجهزة الأمنية الاسرائيلية، أحصت عدد هذه الجماعات المعارضة الاحتجاجية, زاعمة أن عددها يبلغ 500 جماعة موزعة على دول الخليج من جهة وبقية الدول العربية الأخرى، سواء في المشرق العربي أو الشمال الافريقي من جهة أخرى.

وترى الدراسة أن أهم ما يميز هذه الجماعات أن السواد الأعظم بها هم من الشباب الصغار ممن لا تتعدى أعمارهم ال35 أو 40 عاما, ويتميزون بالمهارة في استخدام وسائل الاتصال والتقنيات المتقدمة سواء عبر الفيس بوك أو الانترنت أو عبر التكنولوجيا بصورة عامة. وتوضح أن “إسرائيل” على اطلاع ودراية بالاتصالات التي كانت تقوم بها هذه الجماعات الشبابية بين بعضها بعضاً سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي, والأهم من هذا أن عدداً من المستخدمين الاسرائيليين كانوا يدخلون الى الغرف ومنتديات الدردشة السياسية التي أقامها هؤلاء الشباب المعارض من أجل الدعوة للتغيير، ويتابعون ما يكتب بها ويرصدون ويضعون الكثير من التعليقات عليها.

كما تزعم الدراسة أن المستخدمين الاسرائيليين نجحوا في الانضمام الى المجموعات التي كونتها الجماعات المعارضة، سواء عبر الفيس بوك أو المنتديات الالكترونية على حد سواء, مستخدمين أسماء مستعارة من أجل مراقبة تطورات الموقف في هذه المجموعات ورصد جميع التعليقات والأنشطة الاحتجاجية التي ينوي المعارضون الشبان من أعضاء هذه الجماعات القيام بها.

وتقول الدراسة ان اسرائيل وبعد متابعة أنشطة هؤلاء المعارضين بكثافة قامت بتقسيمهم الى ثلاث مجموعات رئيسية: الأولى ترغب في التغيير لرغبتها في تفعيل النشاط السياسي بالبلاد بعد عقود من الجمود بسبب ديكتاتورية الحكام العرب الباقين في مناصبهم منذ عشرات السنين.

والثانية ترغب في التغيير من أجل أن تتبوأ مناصب في دائرة صنع القرار بالبلاد ورغبتها في صنع تغيير سياسي حقيقي على شاكلة التغييرات التي تتم في الدول الأوروبية أو مختلف النظم الديمقراطية التي تتيح لها المشاركة في صنع القرار وإمكان الاستعانة بها في المناصب الوزارية المهمة مستقبلاً. والثالثة تتعلق بالشباب الثائر الراغب في تحسين ظروفه الاقتصادية أو المعيشية من أجل حياة كريمة أو تكوين عائلة أو حتى الانفاق على متطلباته الشخصية بصورة مقبولة.

وتكشف الدراسة أن كبار الخبراء في المخابرات الاسرائيلية “الموساد” رأوا في بداية متابعتهم لأنشطة هذه الجماعات “الاحتجاجية” أن هذه المطالب مشروعة وسيتعاطف معها الملايين من المصريين بصورة خاصة أو العرب عموما من مختلف الطبقات الأخرى، خاصة أن الملايين من العرب يعانون من نفس حجم المشاكل والأزمات بصورة أو بأخرى, بالاضافة الى انتشار نشاط هذه الجماعات المعارضة في أكثر من دولة وبعض دول الخليج رغم ثرائها الفاحش.

وتشير الدراسة الى أن التوقعات الاسرائيلية كانت ترجح في البداية اشتعال الثورة وبقوة في بعض دول الخليج، الا أن البداية كانت من تونس ومن بعدها مصر والآن ليبيا.

المثير للانتباه أن الدراسة كشفت عن تخوف كبار المسؤولين الاسرائيليين من تصاعد قوة الاسلاميين في الشرق الأوسط بعد هذه الثورات, زاعمة أن الثورة المصرية بالتحديد ومن قبلها التونسية، شهدت نشاطًا بارزًا للعشرات من الاسلاميين ممن أخذوا يحتفلون بانتصار الثورة والقضاء على الحكم الديكتاتوري في كل من تونس أو مصر, وهو ما اعتبرته الدراسة بمثابة جرس انذار يجب التصدي له وخاصة مع الكراهية الشديدة التي تكنها تل أبيب للاسلاميين وشعورها بأن وصولهم الى الحكم يعني بداية النهاية بالنسبة الى علاقات اسرائيل مع كل من مصر أو تونس. وتزعم الدراسة بأن بصمات الاسلاميين كانت واضحة تماما منذ انطلاق الثورات في الدول العربية, خاصة في مصر حيث ادعت قيام الاسلاميين بها بحرق المتحف المصري نظرا لأنه يحتوي على الآثار الفرعونية التي يكرهها الاسلاميون.

وتشير الدراسة الى أن “إسرائيل” تتابع الثورات في البحرين واليمن والعراق، ورأت أن الثوار بها يتلقون المساعدات سواء الانسانية أو اللوجستية من بعض الأطراف الاقليمية وفي مقدمتها ايران, وهو ما يتطلب تفعيل نشاطها السياسي أو الأمني في هذه الدول حتى لا تتأثر اسرائيل بتطورات المشهد السياسي المرتبك في المنطقة.

وتقول الدراسة أن جهاز المخابرات العامة “الشاباك” بلور خطة لزرع عدد كبير من الاسرائيليين في عدد من الدول العربية الملتهبة سياسيا من أجل متابعة تطورات الموقف السياسي بها. وتم تقسيم الاسرائيليين في هذه الدول الى مجموعتين رئيسيتين, الأولى, صحفيون يتابعون ما يجري وينقلونه الى صحفهم أو القنوات الاعلامية التي يعملون بها, والثانية, نشطاء دوليون يسافرون الى هذه الدول تحت غطاء بعض من المنظمات الدولية.

الدراسة تلقي الضوء على الرؤية الاسرائيلية للتطورات السياسية الحاصلة الآن في المنطقة, وكيف تتعامل اسرائيل معها وكيف نجحت أيضا في اختراق بعض من الجماعات العربية المعارضة والاندساس بينها، الأمر الذي يعكس خطورة الموقف السياسي برمته في الشرق الأوسط، وأهمية التنبه إلى الأصابع الخارجية والإسرائيلية منها على وجه الخصوص في تأجيج الاحتجاجات وتحويلها من سلمية إلى مسلحة تستخدم العنف للمطالبة بمطالب معيشية لا يختلف على أحقيتها اثنان.

 

هشام منور….كاتب وباحث

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ان مايسمى بالربيع العربي ماهو الامشروع استعماري جديد للمنطقة يستهدف سلب ثرواتها ومسخ هويتها العربية والاسلامية وتقسيم الوطن العربي ضمن سايكس بيكو جديد وتشجيع الطوائف والعرقيات من اجل التفريق والتفتيت وان الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان بعيدة كل البعد عما يجري اليوم داخل الوطن العربي والمثل امامنا في العراق والسودان وليبيا واليمن وغيرها ومايحاك ضد سوريا من مؤامرات دنيئة ان انتصلر سوريا على المؤامرة سيحمي مصر وباقي الدول العربية التي لم تستهدف بعد اما هزيمة سوريا لاسمح الله ستكون كارثة على العرب والمسلمين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق