جـابـر القصـاص يكتب لأوراق عربية …. سراديب – قصة مُسلسلة / ج 4
(الحلقة الرابعة)
محامي مطلقات!
هكذا صارت سمعتي في هذا الحي والأحياء المجاورة، عن نفسي لا يزعجني هذا، بالعكس هذا يسعدني جدًا، في مهنة كهذه التي أمتهنها، وفي حي كهذا الذي أقطنه، عليّ أن أتعامل إما مع متعاطي المخدرات وصغار مروجيها، أو اللصوص، أو البلطجية، أو المطلقات، وبدون أدنى تفكير أو تردد أعرف أن المطلقات هن الخيار الأفضل والأمثل من نواحي عدة، أهمها: أن قضاياهن مضمونة، القانون في بلادنا ينحاز للمرأة بشكل مزعج، ويا ويل الرجل الذي يطلق امرأة وقد أنجب منها طفلًا أو أكثر، سيظل ملاحقًا منهم بقية عمره، ولا توجد أية نسبة لخسارة هذه القضايا على الإطلاق! فلن يحكم القاضي أبدًا بحرمان مطلقة عائلة من نفقة، أو أجر حضانة ومسكن، وغير ذلك.
ثانيًا: إن التعامل مع المطلقات مضمون الأتعاب، فأنا الذي أحصل على الحكم، وعلى توكيل منها بصرف الأموال المستحقة، وأخصم منها نصيبي قبل أن أسلمها نصيبها، أما مع اللصوص ومتعاطي المخدرات ومروجيها الصغار والبلطجية فهم على استعداد لقتلي وذبحي، مقابل التخلص من أتعابي!
طبعًا أضف إلى ذلك العامل النفسي، فانشراح الصدر الذي أجده مع هذا النوع من الزبائن، بالتأكيد لن أجده وأنا أتعامل مع لص، أو بلطجي، أو متعاطي مخدرات، وقد اكتشفت خلال سنوات من عملي هذا أن معظم المطلقات جميلات، مع أنه يفترض العكس، أما اللاتي يخلعن أزواجهن فهن أكثر جمالًا وفتنة!
(جمال) صديقي يحسدني على هذه المهنة، يقول:-
– “نحن نتعامل مع الحلاليف، وأنت تتعامل مع زوجاتهم.. حظوظ!”
أمين شرطة هو، في جهاز المباحث، مهنته تجعله دائم الاحتكاك باللصوص، والقتلة، والبلطجية، وعتاة الإجرام، عيناه ثاقبتان كالصقر، عينان تليقان برجل مباحث، حتى لو كان مجرد (أمين شرطة).
(جمال) صديق الطفولة والصبا والشباب، وأعتقد أنه سيظل صديقًا حتى الممات، ما لم يكن للقدر رأي آخر، رغم أنه انفصل عنا بعد الإعدادية، حيث التحق بالمدرسة الفنية الصناعية، ثم حصل على واسطة مكنته من الالتحاق بمعهد أمناء الشرطة، ثم التحق بالمباحث، إلا أن صداقتنا لم تنقطع قط!
بالطبع مهنتي كمحامٍ كانت أحد العوامل، فهي تجعلني دائمًا بحاجة إلى مساعدة (جمال)، والجميل في الأمر أنه لا يخذلني أبدًا، ويخدمني دائمًا بلا مقابل، لو كانت صداقة مصلحة فهي من جانبي أنا لا هو، فقد كان صديقًا مخلصًا نادرًا.
كلما التقينا أسلمه خطاب تحريات يخص إحدى قضاياي، فيتساءل في سأم:-
-“خطاب تحريات آخر؟!”
فأجيب بنفس السأم:-
– “ماذا سيكون غير ذلك؟”
في قضايا النفقة وما شاكلها تطلب المحكمة تحريات عن مهنة المطلق ودخله الشهري، إذا كان المطلق موظفًا بالقطاع العام، أو حتى إحدى الشركات الخاصة، فالأمر بسيط، أتوجه إلى الإدارة المالية التابع لها، وأحصل على مفردات راتبه، أما إن كان عمله حرًا، فنضطر للجوء إلى المباحث، (جمال) يريحني من هذا العناء، وينهي لي الموضوع حسبما أريد، هو يضع المهنة التي أذكرها له، حتى لو لم تكن هي مهنة المطلق فعلاً، كما أنه هو الذي يضع قيمة الراتب الشهري من نفسه، دون أن أحدد له شيئًا، ثم يختم الخطاب ويرسله إلى المحكمة بهدوء، والقاضي يحدد النفقة المطلوبة حسبما يرى وفقًا لدخل المطلق.
القانون ينص على حبس المطلق شهرًا مع النفاذ في حالة عجزه عن دفع مستحقات النفقة مهما كانت قيمتها، عن نفسي أقوم بتوزيع المدة على عدة دعاوى حبس، بمعنى: إذا كان المطلق تخلف عن دفع قيمة عام كامل أو أكثر عن الدفع، فإني أقاضيه عن كل خمسة أشهر على حدة، لأنه في كل الأحوال سيحبس شهرًا واحدًا مهما كانت المدة التي تأخر عن دفع مستحقاتها، وهذه الحيلة ستجعله يعاقب أكثر من مرة بالحبس على نفس المدة.
(جمال) كان في صباه ومراهقته فوضويًا عابثًا صاخبًا، وكان أكثرنا نشاطًا وقوة، وفي نفس الوقت أكثرنا عبثًا ومزاحًا، أعتقد أن العمل بالمباحث يناسبه كثيرًا، فقد كان لديه ميل شديد منذ الطفولة لمعرفة كل ما يدور حوله، إذا سمعنا جلبة بالجوار نجده يهرول مسرعًا إلى هناك ليستطلع الأمر، لا يحب أن يخفي عنه أحد شيئًا، إذا رأى اثنان يتهامسان تشاجر معهما حتى يعرف عما كانا يتهامسان، يتضايق إلى حد الاختناق إذا كان هناك سر لدى بعضنا لا يعرفه هو، وإذا وقع أي حدث لا يُعلم فاعله ظل يحقق ويدقق ولا يستريح ويهدأ حتى يكتشفه.
هكذا كان منذ الصغر، هذا بخلاف اندفاعه الذي يصل إلى حد الطيش والتهور، مع رغبته الجارفة في حيازة دور البطولة في أي عمل نشترك فيه، ودور المنقذ إذا تعرض أي أحد لورطة تتطلب عملًا بدنيًا، كشخص يتدلى من مكان مرتفع، ويحتاج إلى من يرفعه، وما شابه ذلك.
ربما عمله في المباحث هذب هذه الصفات إلى حد ما، وعلمه الانصياع للأوامر، لكنه لا يكف عن التفكير في البطولة، ولا يجالس أحدًا إلا انخرط في الحكي عن المجرمين الذين قام بتوقيفهم، والعصابات التي قام بمطاردتها، والأعمال البطولية التي تطوع لإنجازها وقت أن أحجم الآخرون، ويحكي بطريقة تجعلك تعتقد أن المباحث كلها تقوم على عاتقه وحده، ولو أنه تخلف عن عمله لأي عذر لن تقوم للمباحث قائمة أبدًا بدونه!!
لكني برغم كل ذلك أحب (جمال) كثيرًا، وأعتبره نموذجًا للصداقة المخلصة، وأعتز جدًا بصداقته، حتى دون النظر إلى ما يقدمه لي من خدمات!
في الفترة الأخيرة لم أعد أراه كثيرًا، فقد كان يقضي معظم اليوم في العمل، حتى لقيته ذات مرة وسألته أين يختفي، فقال لي بجدية حانقة:-
– “نحن في حالة أشبه بالطوارئ.. عصابة جديدة، لقد ضربوا ضربتهم الرابعة البارحة بعد منتصف الليل، لا نعرف أي شيء عنهم، يضربون ضربتهم ويختفون كالبرق!”
لم يسترعِ كلامه اهتمامي، وأعرف أنها مجرد مقدمة ليتحدث بعدها عن إحدى بطولاته، لذا سأتظاهر بالاكتراث، وأستفسر عن الأمر، على الأقل هو يستحق الحصول على هذه المتعة نظير خدماته وصداقتنا..
– “ماذا يفعلون بالضبط؟”
أجاب:-
– “يسطون على المتاجر المتوسطة، ينهبون ما فيها ويرحلون، طبعًا معهم مسدسات وبنادق آلية يهددون بها أصحاب المتاجر والعاملين بها، لكنهم حتى الآن لم يؤذوا أحدًا سوى بالضرب اليدوي، لم يقتلوا أحدًا أقصد، لكنهم ينهبون كل شيء ويختفون بسرعة!”
ما زلت لا أكترث بهذا، لكني تساءلت:-
– “يفترض أن هذه المتاجر تضع كاميرات، ألم تلتقط صورهم؟”
أجاب بضيق:-
– “يضعون أقنعة كتلك التي نراها في الأفلام الأجنبية، (باتمان)، (سبايدرمان)، لدينا صور عديدة، لكن بلا ملامح!”
عدت أسأل:-
– “ولا يتركون بصمات؟”
أجاب بنفس الضيق:-
– “يلبسون قفازات طبية، لا شيء يقود إليهم على الإطلاق، لقد قبضنا على كل المشتبه بهم، واستجوبناهم بعنف، ولم نصل إلى أي شيء!”
استطرد بحنق:-
– “كما لا يوجد أي رابط بين الضحايا، الضربات الأربعة في أماكن متباعدة، آخرها كانت في الحي المجاور، محل مصوغات، بدءوا يصيبوننا بالجنون، لكننا حتمًا سنقبض عليهم!!”
حسن لقد تظاهرت بالاكتراث بما يكفي، الآن لندخل في الموضوع الذي أكترث له حقيقة لا تصنعًا، مددت إليه يدي بتلك الورقة قائلًا:-
– “خطاب تحريات جديد، أنجزه لي ثم طارد عصابات العالم كله كما تشاء!!”
***



