روايات مُسلسلةمنتدي أوراق عربية

جـابـر القصـاص يكتب لأوراق عربية …. سراديب – قصة مُسلسلة / ج 9

(الحلقة التاسعة)
– “هل لك أصدقاء؟”
سؤال غير معتاد من زبائني، فلا أحد يهتم بأي شيء شخصي يخص محاميه، لماذا تهتم فاتنتي بأصدقائي؟ أم أنها في الحقيقة تهتم بي أنا؟ تريد أن تعرفني عن قرب، تريد أن تعرفني كإنسان لا محامٍ، هذا يثلج صدري إلى حد كبير..
(شهد) – فاتنتي – تصر على زيارتي بمكتبي للسؤال عن مسار قضيتها ومستجداتها، يمكنها أن تعرف ذلك عبر الهاتف، أو الواتس أب، لكنها تتعمد أن تزورني بمكتبي بمعدل مرة كل أسبوع تقريبًا، وهذا يسحرني بشدة، مثل كل شيء يتعلق بها.. صوتها العذب الذي لم أسمع أحلى منه قط، أنوثتها الراقية والناعمة التي لم أر مثلها قط، سمتها الصبوح والمثير، نظراتها النافذة، مع تلك الأهداب الطويلة الكحيلة التي تحيط بها، كل شيء فيها يثير جنوني بقوة، بعنف.. يجب أن أتماسك.. يجب أن أتماسك..
– “نعم.. لي أصدقاء بالتأكيد، وإن كنت لم أعد أراهم كثيرًا..”
نهضت من مقعدها، توجهت نحو الرف الذي أضع عليه كتب القانون الضخمة، ذات الأغلفة السميكة، والورق الأصفر، طبعا أستعملها للزينة فقط، وإضفاء مظهر المحامي المطلع أمام الزبائن، أما الكتب التي أستعملها فعلاً لمعرفة بعض المواد والتفاصيل القانونية فأضعها هنا على مكتبي، لأوفر على نفسي مشقة النهوض لجلبها..
تساءلت وهي تمد أصابعها الرقيقة تتحسس بها الكتب:-
– “لماذا؟”
استغرقت برهة حتى أستوعب السؤال، وإلى أين يتجه، في الواقع أنا مشغول بمراقبتها هي أكثر من ملاحظة الكلمات التي تخرج منها، وإن كنت أتساءل بدوري: لماذا هي مهتمة بهذه الأمور؟
– “مشاغل الحياة.. كل إنسان له ما يشغله”
التفتت إليّ بعينيها الواسعتين النافذتين المحاطتين بالأهداب الطويلة الكحيلة، وقالت:-
– “ليس على حساب الصداقة..”
عادت تنظر إلى الكتب، وهي تضيف:-
– “صداقتنا نحن النساء أصدق وأعمق، ومع ذلك نعرف أنها ليس لها عمر، بمجرد أن تتزوج إحدانا تصير حكرًا على زوجها وأولادها، كما أنها في الغالب تنتقل إلى مكان آخر بعيد، وتأخذها دوامة الحياة، ويصبح خروجها من البيت مقيدًا بشدة، ومصحوبًا بشجار في كثير من الأحوال، أو بعذر ضروري في كل الأحوال، ولا يكون إلا لأماكن محددة، وهكذا تنتهي كل صداقات ما قبل الزواج..”
عادت تلفت إليّ ولكن بكامل جسدها هذه المرة، وهي تستطرد:-
– “أنتم الرجال من تضعون هذه القيود علينا، لكنكم غير ملزمين بها، فماذا يمنعكم من أصدقائكم؟”
ربما هي على حق نظريًا، لكن عمليًا ما يمنعنا الحياة ومشاغلها، والسعي وراء لقمة العيش، وأشياء أخرى، لكن هذا لا ينطبق على رفقتي، فـ (محمود) اختار أن ينعزل عن الحياة نهائيًا، رغم أنه لا يعمل، ولا يوجد شيء يجبره على العمل، حبس نفسه في غرفته الشبيهة بالقبو المظلم، وصارت علاقاته بالعالم الخارجي كلها محصورة خلف شاشة اللاب التوب أو الجوال، أما (جمال) فأكثرنا انشغالًا بحكم عمله، حتى في راحته ينام والهاتف بجوار أذنه، ينتظر في أية لحظة رنة استدعاء له، ليشارك في حملة مداهمة، أو ملاحقة أحد المطلوبين، أو جمع تحريات عن أحد المشبوهين، لم أعد أراه إلا مصادفة، أو إذا احتجت إلى ملء خطاب تحريات عن طليق إحدى موكلاتي!
آخر مرة رأيته منذ أيام، ولم نتحدث إلا عن تلك العصابة المقنعة التي تسرق المتاجر، قال لي غاضبًا لاهثًا:-
– “لقد ضربوا ضربتين جديدتين، في حيين مختلفتين، وفي ليلة واحدة، أولاد الـ …….! إنهم يتحدوننا، سنقبض عليهم ولن نرحمهم!”
(عادل) لم أعد ألقاه إلا مصادفة هو الآخر، ولا أعرف ما يشغله حقيقة، فعمله لا يتعدى خطبة الجمعة بمسجده البعيد، ودرس فقهي مرة أو مرتين بالأسبوع عقب صلاة المغرب أو العشاء، ولا يعمل بأي شيء فيما عدا ذلك، أعتقد أنه مشغول بالنساء عبر مواقع التواصل مثلي، خاصة أني أعرف أن النساء هن جمهوره الوحيد كداعية، فلا أحد من الرجال يثق بعمله أو فتواه!
ليس لي أصدقاء – بمعنى كلمة أصدقاء – سوى هؤلاء، لم أحاول اكتساب صداقات طيلة مراحل حياتي سواهم!
– “مشاغل الحياة.. لكننا نلتقي على فترات، ومهما انشغلنا وافترقنا نحتفظ بالود والمرح فيما بيننا حين نلتقي، كأننا لم نفترق قط.”
ابتسمت في عذوبة، وقالت:-
– “الصداقة جميلة.. خاصة صداقة الطفولة”
لم تلبث أن زمت شفتيها الجميلتين، وأضافت بأسى:-
– “كل صديقات الطفولة ذهبن عني، ولم أعد أعرف أي شيء عنهن!”
تشعر بالوحدة مثلي، زوجها لم يملأ هذا الفراغ بداخلها حين تعامل معها كجسد فحسب، بل زاد من وحدتها ونفورها من العالم، وكذا نفور العالم منها، فالناس لا تحترم المرأة التي تقبل على خلع زوجها، مهما كانت الأسباب التي دعتها لذلك..
– “أنا الآن أقيم في بيت أهلي، أمي غاضبة مني، خاصمتني، وكذلك أخي تعارك معي، لكني سبق أن استسلمت لهم في الماضي ليقرروا مصيري، وهذا ما صرت إليه، ولن أسمح لأحد بالتحكم في حياتي مرة أخرى، وسأواصل هذا الطريق إلى النهاية، مهما كانت العواقب!”
فاتنتي صلبة للغاية، حازمة رغم رقتها، قادرة على اتخاذ القرارات المصيرية، إنها الأنثى المثالية التي طالما حلمت بها، إنها هي.. هي..
***
آه يا (شهد).. لو تعرفين أنك استوليت على عقلي وقلبي تمام الاستيلاء، بحيث لم يبق لي من نفسي شيء!
أنا لا أفكر إلا بك، لا تبرحين خيالي أبدًا، في صحوي ومنامي، تارة أسامرك، وتارة أضاجعك، وتارة أضاحكك، بكل الأحوال لا أفارقك أبدًا، ولا ينفصل خيالي عنك..
ترى هل تبادلينني نفس الشعور؟ لماذا تتساءلين عن أصدقائي وحياتي؟
– “حدثني عن أهلك.. أسرتك!”
تستدرك في نعومة:-
– “إن كنت لا تمانع طبعًا!”
لا أمانع أي شيء، سليني روحي وفؤادي، وإن كنتِ حصلتِ عليهما بالفعل، دون هبة مني، وإن كان ليس في أسرتي ما يجعلني أفخر بالحديث عنه، لكن بما أنها رغبتك سأفعل، سأخبرك بكل شيء ترغبين في معرفته، لن أبخل عليك بشيء.
تريدين أن تعرفيني عن قرب، وأنا أحب جدًا أن أعرفك بنفسي، لكني في المقابل أرغب في أن تعرفيني بنفسك عن قرب!
قالت وهي تداعب مكتبي البسيط المتواضع بأناملها الرقيقة!
– “كنت أظن أن عدة المرأة التي تخلع زوجها تماثل عدة المطلقة، لكني سمعت شيخًا سلفيًا في التليفزيون يقول: إن عدة الخالعة حيضة واحدة، أعرف شيخًا أزهريًا لجأت إليه وسألته عن الأمر، نفى هذا، وقال لي: عدة المطلقة هي عينها عدة الخالعة، لكنه بعد أيام رجع يخبرني بأنه تحرى عن الأمر، واكتشف أن الأمر فيه خلاف بين الفقهاء!”
ماذا؟! عن نفسي لأول مرة أسمع هذا الكلام، ربما هو من الناحية الشرعية يستند إلى منطق، عدة الطلاق تكون أطول لاحتمال أن يراجع الزوج نفسه، ويراجع الزوجة إلى عصمته، لكن الخلع ليس فيه فرصة للرجوع، وتكفي حيضة واحدة إثبات أنها ليست حبلى منه، لكني لا أعتقد أن القانون يفرق بين عدة المختلعة والمطلقة، على كل حال سأبحث الأمر، ما يعنيني الآن أن فاتنتي تتحدث معي في هذه الأمور، تتحدث معي في الحيض والأمور التي تخص النساء، ماذا أستنبط من هذا سوى أنها تميل إليّ؟!
(عادل) كان يقول لي دومًا: المرأة تعتبر حبيبها طبيبها ومعلمها وصديقها، ولا تتحرج من محادثته في أخص خصوصياتها، فهل أنا الآن في هذا الموضع منها؟
آه يا (شهد)..
لو تعرفين أنك استوليت على عقلي وقلبي تمام الاستيلاء، بحيث لم يبق لي من نفسي شيء!
أنا لا أفكر إلا بك، لا تبرحين خيالي أبدًا، في صحوي ومنامي، تارة أسامرك، وتارة أضاجعك، وتارة أضاحكك، بكل الأحوال لا أفارقك أبدًا، ولا ينفصل خيالي عنك..
ترى هل تبادلينني نفس الشعور؟!
***

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق