روايات مُسلسلةمنتدي أوراق عربية

جـابـر القصـاص يكتب لأوراق عربية …. سراديب – قصة مُسلسلة / ج 7

(الحلقة السابعة)
لا أعرف عمله بالضبط، لكني دائمًا أراه يتنقل من مقهى إلى مقهى، يحادث هذا، ويمازح ذاك، ويعارك ذلك، ودائمًا يجد من يدفع له حساب المشاريب، لكن الأهم: أنه يعرف كل شيء عن كل شخص بالمنطقة بصورة مذهلة!
عرفته بالمقهى، وتحدثت معه مرارًا، ومع الوقت صرت أستفيد منه في جمع المعلومات عن بعض القضايا، ولا يكلفني الأمر أكثر من كوب شاي، وأحيانًا علبة سجائر، وما أحصل عليه منه أثمن بكثير من هذا!
اسمه (عبود)، لكن الناس اعتدوا تسميته باسم (بكار)، نظرًا لسمار بشرته الغامق، وضآلة بنيانه، يقال إن أصله من النوبة، ارتحل أجداده إلى القاهرة عند الشروع في بناء السد، لكنه يزعم أنه من جعافرة الصعيد، وعلمت منه أن الجعافرة ذوو نسب كريم بين العائلات الجنوبية، وبالطبع لا يمكن الجزم بصحة هذا، لكن المعروف أنه ولد بالقاهرة ولم يبرحها مطلقًا في أي وقت من الأوقات، يصفونه بـ (الحلنجي)، لا أعرف الأصل اللغوي لهذه الكلمة، لكني أعرف معناها: الشخص البارع في خداع الآخرين بالكلام المعسول، وأجزم بأن الوصف ينطبق عليه تمام الانطباق، لكن المزية أن كلام يكون مسليًا دائمًا، لا يضيق جلساؤه به أبدًا، ولا يتوقفون عن الضحك.
هو الذي جاء يحادثني على المقهى، عرفت أنه يريد من يحاسب له على الشاي، هو لا يجالسني كثيرًا لأن عيبي الوحيد – في نظره – أني لا أدخن، وهو يحب مجالسة المدخنين، لينعم ببعض السجائر، وعندما لا يجد ترحيبًا منهم يفكر في أمثالي، وقد حانت تلك اللحظة، التي – لا يعلم هو – أني كنت أنتظرها أكثر منه.
فجأة وجدته يجذب مقعدًا ليضعه بجواري ويجلس عليه، ثم بدأ الحديث عن المحاكم والقضايا والقضاة والمحامين، وأنا أسايره دون اكتراث حقيقي، حتى وجدت اللحظة المناسبة لأبدأ أنا الحديث، خاصة أنه أعطاني طرف الخيط حين تحدث عن النساء التي يكفرن العشير، ويبادرن بالخلاص من أزواجهن عند أول أزمة، ويترحم على زمن النساء ذوات الأصل، اللاتي كن يتحملن الهوان مع أزواجهن!
لكني كنت حريصًا في البداية التي سلكتها، إذ قلت له:-
– “هل تعرف ميكانيكي سيارات جيد وذمته نظيفة، في هذه المنطقة، أو قريبًا منها؟”
طبعًا هو يعرف كل شيء، فشرع يسرد لي بعض الأسماء، لكنه لم يذكر الاسم الذي أردته للأسف، إلا أنه سألني:-
– “لماذا تبحث عنه؟ ليس لديك سيارة!”
أجبت بثبات:-
– “أنوي شراء واحدة.. مستعملة طبعًا، وأريد ميكانيكي جيد يثمنها بالشكل المناسب!”
اندفع يتحدث عن السيارات، وأنواعها، وأسعارها، وكأنه سمسار سيارات عتيد، وهو الذي لم يركب في حياته سوى الأوتوبيس، والتوكتوك، لكنه بدا – ولا أدري كيف – خبيرًا جدًا بالسيارات، وبالطبع لم تكن لديّ أدنى رغبة في سماع هذا الهراء، فقاطعته بشكل مهذب:-
– “أحدهم عرض عليّ سيارة (هوندا)، يزعم أنه عرضها أولًا على ميكانيكي ماهر اسمه (السيد عبد المقصود)، وثمّنها بمبلغ جيد بالنسبة لي، لكني لا أعرف (السيد عبد المقصود) هذا، ولا أعرف مدى أمانته، ولا أستطيع أن أثق بتقييمه للسيارة، وأبحث عن ميكانيكي آخر أكثر براعة منه ليثمنها!”
وكما توقعت هب يقول بثقة:-
– “أنا أعرفه، هو فعلا ميكانيكي ماهر، وزبائنه كثيرون، لكن مشكلته أنه كسول، يشتغل يومًا وينام ثلاثة، كما أنه صاحب كيف، يتعاطى أي شيء يقع في يده.”
ثم مال نحوي بشكل غريب، وغمز بطريقة عجيبة وهو يقول:-
– “متزوج من امرأة ليس لها مثيل قط، ولا نجمات التليفزيون، هي التي تستنزفه، وتجعله يشرب أي شيء، ويهمل شغله، فهو لا يريد أن يفارقها!”
هذا ما كنت أريده من البداية، ويجب أن أحرص على أن يستمر في الحكي عنها، قلت له مازحًا:-
– “أنا لا أعرف المتزوجات، أعرف المطلقات فقط كما تعرف أنت!”
وضحكت ضحكة مصطنعة، بينما هو ضحك حقيقة، ثم قال:-
– “ولن تعرفها.. فهو لا يفعل شيئًا سوى النوم معها، ماذا تريد المرأة أكثر من هذا؟!”
يالك من أبله! بل ماذا يريد الرجل من الزواج سوى هذا، لكني لن أناقشه في هذه الأمور، المهم أن يستمر في الحكي عنها، سأسايره وأمرر له الكرة ليتكلم ويفضي بكل ما لديه عنها! وطفق بالفعل يتحدث!
والدها كان سائق تاكسي فقير، ضاق بمهنته وبسيارته المتهالكة فباعها، واشترى تأشيرة إلى الخليج، غاب عدة سنوات ثم رجع بثروة معقولة، ليشتري شقة تمليك، وسيارة جديدة تصلح كتاكسي، علق ضاحكًا:-
– “يموت الزمار …”
المثل المعروف، المهم أنه استقرت أحواله بمصر، ومن هنا بدأت صلته بـ (السيد عبد المقصود)، الذي كان يصلح له أعطال سيارته، والذي شاهد ابنته معه ذات يوم فجن بها، ورغب في الزواج منها، ولم يضن الأب بها عليه، علق مرة أخرى ضاحكًا:-
– “سائق وميكانيكي، هل من نسب يليق بالاثنين أكثر من هذا؟!”
معه حق، ولو كان لديه بعض الثقافة لقال: (وافق شنّ طبقه).. المهم: (السيد عبد المقصود) كان حرفيًا ملتزمًا، لا يعرف سوى عمله، لكن بعد زواجه من السفيرة (عزيزة) تغير حاله، وانقلب كيانه، عرف طريق المخدرات بأنواعها، وتكاسل عن عمله، وقبع في بيته أغلب الأوقات، إما نائمًا، وإما مجامعًا للحورية التي تزوجها، ما زال الزبائن يثقون به وبمهارته، لكنهم حانقون جدًا من انشغاله عنهم، وصاحب السيارة المعطلة بالتأكيد يريد الانتهاء منها في أسرع وقت، وهذا لم يعد متوافرًا لدى (السيد)، لكن تظل مهارته شفيعًا له رغم ذلك.
والد العروس – الحورية – تعبت صحته مع الوقت، فأسند السيارة لآخر يقوم بتشغيلها بدلًا منه، ثم لم يلبث أن رحل منذ عدة أشهر، ترك وراءه ولدًا واحدًا ذكرًا – هو الأصغر – وثلاث بنات، تزوجت اثنتان منهن، وبقيت واحدة!
حسن.. هذا يفسر الكثير، العروس – الحورية، أو السفيرة (عزيزة) على حد تعبير (عبود) – من البداية لم تكن تطيق الزواج من الميكانيكي، تطلعاتها كانت تواكب حسنها الفتان، لكنها لم تكن تملك الاعتراض على والدها، الذي اعتبر زواجها مصلحة له، ميكانيكي يصلح له سيارته بالمجان، بحكم المصاهرة بينهما، وهي دفعت الثمن.
حسنها الفتان كان سببًا للمزيد من تعاستها، فقد أفقد زوجها اتزانه، وجعله لا يرى فيها سوى جسد جميل يرتع فيه كيفما شاء، وهي تريد رجلًا يحترم عقلها وروحها، ويشبع احتياجاتها الروحية والعقلية، لا رجل يتعامل معها كثور هائج في موسم التزاوج، لكنها لم تذكر لي أمر تعاطي زوجها المخدرات، هذا يعطي عنها انطباعًا أنها بنت أصول، تريد الخلاص من زوجها الذي لا يطاق دون أن تشوه سيرته بين الناس، حتى أمام محاميها الخاص، هذا رائع جدًا ويستوجب التقدير والاحترام.
كما يمكنني أن أستنتج أنها لم تستطع اتخاذ هذا القرار في حياة والدها، لأنه كان سيقف ضدها، وانتظرت حتى رحل عن عالمنا لتتخذ هذه الخطوة، ولم يعد لها رجل سوى شقيقها الصغير الذي لا يستطيع مساعدتها ولا حتى منعها من هذه الخطوة، كما أخمن أنها طلبت من زوجها بالحسنى أن يطلقها فأبى، وله الحق في ذلك، من العاقل الذي يفرط في هذه الجوهرة طواعية؟!
لا مفر أمامها سوى الخلع، القانون يعطيها هذا الحق، ستتنازل عن أي شيء مقابل الخلاص منه، أعتقد أن مساعدتها في هذا أمر أخلاقي قبل أن يكون قانونيًا، من حقها التخلص من هذا الزوج، ولن أببخل عليها بهذا!
لكني لم أستطع الحصول على الجواب الذي أنتظره، والذي لم يعطني إياه (عبود)، ولا يمكنني سؤاله عنه، وأعتقد أنه لو كان يملك هذا الجواب لما سكت عنه، فهو يحب التحدث في هذه الأمور. السؤال هو: هل البديل لديها متوافر؟
وثم سؤال آخر أكثر أهمية وضرورة بالنسبة لي: هل أصلح أنا لكي أكون هذا البديل؟!
***

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق